.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حثّ على الصبر عند مواجهة الأعداء - الحلقة السادسة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رضي الله عنه: (إِنَّ نَاسًا من الأَنْصَارِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثمَّ سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عِنْدَهُ، فقال: ما يَكُونُ عِنْدِي من خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله، وما أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا، وَأَوْسَعَ من الصَّبْرِ) (صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة)
تعرضت الحلقة السابقة لبيان بعض ميزات الصَّبْر، فهو محمود في كل المواطن، وخاصة موطن الحرب، وهو ضِيَاءٌ، فلا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب، والصبر عند مواجهة الأعداء، لا شك أنه مشمول في وصف الضياء، إذ إنه من أبرز عوامل النصر في تلك المواجهة، التي تتحتم في أحيان كثيرة، والله أكد أنه مع الصابرين في سياق بيانه سبحانه لأسباب مهمة أخرى للنصر، مثل الثبات عند مواجهة الأعداء، والحرص على ذكر الله، وطاعته وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وتجنب التنازع والبطر والرياء.

التصبر
في حديث أبي سعيد الخدري أعلاه، تشجيع على التَصَبُر، إذ وعد الرسول، صلى الله عليه وسلم، من يَتَصَبّر بأن يُصَبره الله تعالى، ومعنى التصبر أن يعالج المرء نفسه على ترك السؤال، ويصبر إلى أن يحصل له الرزق، وقوله: (يُصَبِّرْهُ الله)؛ أي يقويه، ويمكنه من نفسه، حتى تنقاد له، ويذعن لتحمل الشدة، فعند ذلك يكون الله معه، فيظفره بمطلوبه، وإنما جعل الصبر خير العطاء؛ لأنه حبس النفس عن فعل ما تحبه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل، مما لو فعله أو تركه لتأذى به في الآجل، فالصبر جامع لمكارم الأخلاق.(فتح الباري، 11/304 - 305)
فمن يتحلى بالصبر ويؤثره، يعنه الله عليه، ويوفقه له، وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر.
ويبين العيني في عمدة القاري، أن في هذا الحديث الحث على الصبر على ضيق العيش، وغيره من مكاره الدنيا، وفيه أن الاستغناء والعفة والصبر بفعل الله تعالى، وفيه جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه، والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة. (عمدة القاري، 9/49)

الله مع الصابرين
تعددت الآيات القرآنية الكريمة التي تبين مساندة الله جلَّ في علاه للصابرين، فيقول تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46)
وقد تكرر ذكر أنَّ الله مع الصابرين في آيتين من سورة البقرة، هما: (153)، و(249)، وفي آيتين أخريين من سورة الأنفال، هما: الآية سالفة الذكر (46)، والآية (66).
جاء في تفسير السعدي أن الصبرَ مُحتاج إليه العبد، بل يضطر إليه في كل حالة من أحواله، فلهذا أمر الله تعالى به، وأخبر أنه مع الصابرين؛ أي أن الله مع من كان الصبر لهم خلقاً، وصفة، وملكة، بمعونته، وتوفيقه، وتسديده، فهانت عليهم بذلك المشاق والمكاره، وسهل عليهم كل عظيم، وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة، تقتضي محبته، ومعونته، ونصره، وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة، إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله، لكفى بها فضلاً وشرفاً، وأما المعية العامة، فهي معية العلم والقدرة، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}(الحديد: 4)، وهذه عامة للخلق.(تفسير السعدي، 1/75)
ويذكر الرازي أن المقصود بقوله تعالى:{وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر، فأمرهم بالصبر، وبين أنه تعالى مع الصابرين، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة.(التفسير الكبير، 15/138)
التواصي بالصبر
الصبر خلق رفيع تضافرت النصوص الشرعية في الحث عليه، وبيان فضله، فكان من ذلك التشجيع على المصابرة والتصبر، إضافة إلى الحث على التحلي بالصبر، وبيان أن الله مع الصابرين، ولا شك أن الصبر عند مواجهة الأعداء، لازم ضروري للظفر بالنصر، مما يستدعي ليس التمرس على اكتساب الصبر، والتحلي به في مواقف البأس والشدة فحسب، بل التواصي به، عملاً بقوله جل شأنه: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد: 17)، وقوله تعالى: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: 3)
فالله جل في علاه ذكر التواصي بالصبر في سياق الثناء على فاعليه، والإشادة بمقامهم، فالتواصي بالصبر يكون بتبادل المؤمنين النصح بالتحلي به، ومنه قولهم لبعض في حالات شد الأعصاب والانفعال: صبرك صبرك، وإن الله مع الصابرين، فالصبر سلاح لا يقل أهمية عن سنان الحروب وسيوفها، إذ ماذا ستصنع العُدد للمرتجفين خوفاً من خلق مثلهم؟!
وبهذه الإشارات للتَصَبّر، وأن الله مع الصابرين، والتواصي بالصبر، نختم الحديث عن موضوع الحث على الصبر عند مواجهة الأعداء، الذي تم التطرق إليه في الحلقات الخمس السابقة وهذه.
سائلين الله العلي القدير أن يلهمنا والمؤمنين والمؤمنات الصبر والسلوان، على خطى ودرب أولي العزم من الرسل، وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 جمادى الأولى 1440هـ

تاريخ النشر  2019-01-25
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس