.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حثّ على الصبر عند مواجهة الأعداء - الحلقة الرابعة

==========================================================

 عن سَالِمِ بن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، صلى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَقَامُوا في مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ أُولَئِكَ، فَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ عليهم، ثُمَّ قام هَؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ، وَقَامَ هَؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع)
وقفت الحلقة السابقة عند حديث شريف أتى بمشهد يتعلق بغزوة ذات الرقاع، التي يشير اسمها إلى صورة واقعية من صور معاناة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام، رضي الله عنهم، خلال الاستعداد لإحدى اللقاءات الحربية مع الأعداء، وصبرهم على ذلك، مما اضطرهم لعصب الخرق على أرجلهم، بسبب نقب أقدامهم، وسقوط أظفارهم، حيث لم يكن للنفر الستة سوى بعير واحد يعتقبونه، فالحياة فيها الرخاء والشدة، وفيها الأمن والخوف، وهي لا تدوم على حال، فالأيام دول، والمطلوب فهم واقعي للأمور، يستند إلى إيمان بالمبادئ، مع التحلي بالقيم التي من أبرزها الصبر والمصابرة، والرسول، صلى الله عليه وسلم، صلى بالمسلمين الخارجين معه لغزوة ذات الرقاع صلاة الخوف.

مشروعية صلاة الخوف وكيفيتها
صلاة الخوف ثبتت مشروعيتها في أحاديث عدة، منها حديث ابن عمر المثبت نصه أعلاه، وثبتت كذلك في القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}(النساء:102)
يتضح من هذه الآية القرآنية، ومن الحديث أعلاه أن المسلمين الذين يريدون أداء الصلاة المكتوبة خلال تواجدهم في حالة من الخوف، يصلون وراء إمامهم على مرحلتين، بحيث تصلي كلا المجموعتين جماعة وراء الإمام، ويكون ذلك بأن تصلي المجموعة الأولى جزءاً من الصلاة وراء الإمام، ثم تنصرف لمواجهة العدو مكان التي كانت تواجهه، وحينها تأتي التي كانت تواجه العدو لتصلي صلاة مسبوق وراء الإمام، إذ إنها تقضي ما فاتها من ركعات الصلاة بعد أن يسلم الإمام، ثم تعود المجموعة التي انصرفت عن الإمام لتتم صلاتها، وهذا ما يطلق عليه صلاة الخوف. فالنبي، صلى الله عليه وسلم، حسب حديث جابر المثبت في الحلقة السابقة، صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وكان لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَرْبَعٌ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع)
وحسب حديث صَالِحِ بن خَوَّاتٍ المثبت في الحلقة السابقة كذلك، فإن رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يوم ذَاتِ الرِّقَاعِ، صلى صَلاةَ الْخَوْفِ، أن طائفة صفت معه، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي معه رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ التي بَقِيَتْ من صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع)

تنبيهات
*من الأحاديث الواردة في صلاة الخوف يظهر أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أداها إماماً، وتعددت كيفيات أدائها، ويبدو أن ذلك يعود لاختلاف حال المسلمين عند أدائهم للصلاة خلال خوفهم، فكان لدرجة الخوف، وموضع المسلمين من القبلة، أو انحرافهم عنها خلال مواجه العدو، تعلق بالأسباب التي أدت إلى اختلاف كيفية أداء صلاة الخوف، وهذا الاختلاف لا يؤثر في صحة الكيفية التي تؤدى بها الصلاة، ما دام أصلها مشروعاً، والمجال هنا لا يتيح عرض مزيد من صور صلاة الخوف المبينة في المراجع الفقهية.
*يجدر التنبيه إلى أنه على الرغم من أن الخوف الذي يستدعي اللجوء إلى أداء صلاة الخوف، يكون غالباً خلال المواجهات العسكرية في المعارك الحربية، لكن الخوف الذي يستدعي اللجوء إلى أداء صلاة الخوف ليس شرطاً أن يكون في حالات الحرب، إذ قد ينشأ من خوف حيوان، أو إنسان دون أن يكون المرء في حالة حرب.
*من الأمور التي ينبغي الالتفات إليها بالنسبة إلى صلاة الخوف، أنها تشعر بأهمية صلاة الجماعة وراء الإمام، وفضل الحرص عليها، إذ لولا ذلك لما كان لصلاة الخوف حاجة، إضافة إلى أهمية العناية بالصلاة، والحرص على أدائها في أصعب الظروف، فالصلاة عمود الدين، وهذا يعني التحذير من التهاون في أدائها، أو التقليل من أهميتها، كما يحدث من قبل بعض المسلمين، الذين حذرهم القرآن الكريم من التغافل عن أداء الصلاة، فقال عز وجل: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}(الماعون:4-5)
سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا لنكون من مقيمي الصلاة، والمحافظين عليها، والدائمين على ذلك، وأن يبدل خوفنا أمناً، وأن يلهمنا الصبر والسلوان، وأن ييسر متابعة الحديث عن الصبر عند مواجهة الأعداء، تأسياً بنبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
5 جمادى الأولى 1440هـ

تاريخ النشر  2019-01-11
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس