.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حثّ على الصبر عند مواجهة الأعداء - الحلقة الخامسة  

==========================================================

 عن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، قال: (قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، تَمْلآَنِ أو تَمْلأُ ما بين السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ، كُلُّ الناس يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا، أو مُوبِقُهَا)(صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء)
الحلقة السابقة تعرضت لبيان مشروعية صلاة الخوف وكيفيتها، حيث تمت الإشارة إلى أن صلاة الخوف أداها الرسول، صلى الله عليه وسلم، إماماً، وتعددت كيفيات أدائها، وكانت درجة الخوف، وموضع المسلمين من القبلة، أو انحرافهم عنها خلال مواجهة العدو، من الأسباب التي أدت إلى اختلاف كيفية أداء صلاة الخوف، التي ليس شرطاً أن تؤدى في حالات الحرب، إذ قد ينشأ الخوف من حيوان، أو إنسان، دون أن يكون المرء في حالة حرب، وصلاة الخوف تشعر بأهمية صلاة الجماعة وراء الإمام، وفضل الحرص عليها، إذ لولا ذلك لما كان لصلاة الخوف حاجة، إضافة إلى إشعارها بأهمية العناية بالصلاة، والحرص على أدائها في أصعب الظروف، فالصلاة عمود الدين، وهذا يعني التحذير من التهاون بها، أو السهو عنها.

الصَّبْرُ ضِيَاءٌ
حديث أبي مالك الأشعري، المثبت نصه أعلاه، يذكر النووي أنه أصل من أصول الإسلام، وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام(صحيح مسلم بشرح النووي، 3/100)، وفيه يذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، أموراً دينية مقرونة بفضائلها، وكان من تلك الأمور الصبر، الذي وصفه بأنه ضياء، ومعناه كما في شرح النووي على صحيح مسلم، أن الصبر المحبوب في الشرع هو الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضاً على النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب، قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة، وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وقال الأستاذ أبو علي الدقاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في أيوب، عليه السلام:{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ العَبْدُ...}(ص:44)، مع أنه قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}(الأنبياء: 83)، والله أعلم.(صحيح مسلم بشرح النووي 3/101-102)
والصبر عند مواجهة الأعداء لا شك أنه مشمول في وصف الضياء، إذ إنه من لوازم النجاح في تلك المواجهة التي تتحتم في أحيان كثيرة.

الصبر والنصر
الصبر من أبرز عوامل النصر على الأعداء، فالله أكد أنه مع الصابرين في سياق بيانه سبحانه لأسباب مهمة أخرى للنصر، مثل الثبات عند مواجهة الأعداء، والحرص على ذكر الله وطاعته، وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وتجنب التنازع والبطر والرياء، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ* وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(الأنفال:45-47)
ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله تعالى أن الصبر من عوامل النصر، وصاحب كتاب الفروسية، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، يذكر أن الله تعالى أمر المجاهدين في هذه الآيات بخمسة أشياء، ما اجتمعت في فئة قط إلا نصرت، وإن قلت وكثر عدوها، أحدها الثبات، والثاني كثرة ذكره سبحانه وتعالى، والثالث طاعته وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، والرابع اتفاق الكلمة، وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام، لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها، والخامس ملاك ذلك كله، وقوامه وأساسه، وهو الصبر.
فهذه خمسة أشياء تبنى عليها قبة النصر، ومتى زالت أو بعضها زال من النصر، بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوى بعضها بعضاً، وصار لها أثر عظيم في النصر، ولما اجتمعت في الصحابة لم تقم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا، ودانت لهم العباد والبلاد، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت، آل الأمر إلى ما آل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله المستعان، وعليه التوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.(الفروسية، 1/505- 506)
وعقب القرطبي على أمر الله بالصبر في هذه الآيات الكريمة، فقال عن الصبر: وهو محمود في كل المواطن، وخاصة موطن الحرب، كما قال إذا لقيتم فئة فاثبتوا.
فالصبر ضياء، يلزم القوي والضعيف، ويلزم الذي يبتلى بالنعم والنقم، حتى يبقى محافظاً على طاعة الله، لا يغفل عنها، ويحتسب ما يصيبه في سبيلها، فإذا ما تحقق له الصبر انتصر في نهاية المطاف.
سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا لنكون من الصابرين، وأن ينصرنا، وأن ييسر ختم الحديث عن الصبر عند مواجهة الأعداء، حسب ما جاء عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 جمادى الأولى 1440هـ

تاريخ النشر  2019-01-18
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس