.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حثّ على الصبر عند مواجهة الأعداء - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: من آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كان حَقًّا على اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو جَلَسَ في أَرْضِهِ التي وُلِدَ فيها، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا نُبَشِّرُ الناس؟ قال: إِنَّ في الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ما بين الدَّرَجَتَيْنِ كما بين السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فإنه أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرحمن، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ)(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله يقال هذه سبيلي وهذا سبيلي)
تعرضت الحلقة السابقة إلى النهي عن تمني لقاء العدو، وحكمة ذلك، وبيان أن المقصود بسؤال الله العافية رجاء السلامة من المكروهات، في الدنيا والآخرة، والحث على الاستعانة بالصبر عند المواجهة، لأهميته في تحقيق النصر، مع التشجيع على الإقدام عند تحتم المواجهة مع الأعداء، وختمت الحلقة ببيان أهمية الاستعانة بالدعاء بهزيمة الأعداء.

حين لا يكون الجهاد فرضاً
حديث أبي هريرة أعلاه، يبين أن الفوز بالجنة يتم بالإيمان بالله ورسوله، وإقامة الصلاة، وصوم رمضان، حتى لو لم يكن صاحب ذلك قد جاهد في سبيل الله، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (جَاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو جَلَسَ في أَرْضِهِ التي وُلِدَ فيها)
وقوله: (أو جَلَسَ في أَرْضِهِ) فيه تأنيس لمن حرم الجهاد في سبيل الله، فإن له بالإيمان بالله، والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة؛ لأنها هي غاية الطالبين، ومن أجلها تبذل النفوس في الجهاد.(عمدة القاري،14/90)
ويتماشى هذا الحديث من هذه الناحية مع الحديث المثبت في صدارة الحلقة السابقة، الذي نهي فيه عن تمني لقاء العدو، مما يعني أن استحقاق دخول الجنة، يمكن أن ينال دون جهاد، إن لم يكن في حق صاحبه فرضاً، وعلى هذا الغرار أيضاً يرد حديث عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو، بن العاص، قال: (أَقْبَلَ رَجُلٌ إلى نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: أُبَايِعُكَ على الهِجْرَةِ وَالجِهَادِ، أَبْتَغِي الأَجْرَ من اللَّهِ، قال: فَهَلْ من وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قال: نعم، بَلْ كلاهما، قال: فتبتغي الأَجْرَ من اللَّهِ؟ قال: نعم، قال: فَارْجِعْ إلى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا) وفي رواية أخرى، قال: (...فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به)

النهي عن تمني لقاء الأعداء لا يقلل من فضل الجهاد ومنزلة المجاهدين
النهي عن تمني لقاء الأعداء، وبيان أن الجنة تستحق بأعمال البر والإحسان، حتى لو لم يكن بينها الجهاد في سبيل الله، ينبغي للحقيقة الدينية والفقهية التوضيح بأن ذلك يكون حين يكون الجهاد تطوعاً، أما حين يكون فرضاً لازماً، فلا بد وقتها منه، والصبر عليه، بدليل أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لما نهى عن تمني لقاء الأعداء، أتبع ذلك بقوله: (فإذا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا لم يقاتل أول يقاتل أول النهار آخر القتال حتى تزول الشمس)
ففضل الجهاد في سبيل الله عظيم، ومنزلة المجاهدين عند الله رفيعة، ودرجاتهم في الجنة تبلغ مائة درجة، ما بين الدَّرَجَتَيْنِ كما بين السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كما هو مبين في الحديث الشريف أعلاه، الذي يحث فيه عليه الصلاة والسلام على سؤال الله الفردوس من تلك الدرجات، لما لها من تميز وفضل، وفي حديث صحيح آخر طمأن عليه الصلاة والسلام، أم أحد الشهداء؛ لمنزلة ابنها حارثة، كونه نال الفردوس الأعلى، فعن حُمَيْدٍ، قال: سمعت أَنَسًا، رضي الله عنه، يقول: (أُصِيبَ حَارِثَةُ يوم بَدْرٍ، وهو غُلامٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ في الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تك الأُخْرَى، تَرَى ما أَصْنَعُ، فقال: وَيْحَكِ؛ أو هبلت، أو جنة وَاحِدَةٌ هِيَ؟! إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ في جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً)
والقرآن الكريم ذكر الفردوس في آيتين منه، إحداهما بينت مستحقيها، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} (الكهف:107)، والأخرى بينت أن أهل الفردوس يخلدون فيها، فقال عز وجل: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (المؤمنون:11)
والآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تبين فضل الجهاد في سبيل الله، ومنازل الشهداء عند الله كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (لَقَابُ قَوْسٍ في الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عليه الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ، وقال: لَغَدْوَةٌ أو رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عليه الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله وقاب قوس أحدكم من الجنة)
وعن سَمُرَةَ، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (رأيت اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ، أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا، هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لم أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ منها، قالا: أَمَّا هذه الدَّارُ، فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله يقال هذه سبيلي وهذا سبيلي)
فهنيئاً للشهداء دارهم وعزهم، وللشهداء تكريمهم ومنازلهم في الدنيا والآخرة، راجين أن يتقبل الله الشهداء في عليين، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان، وأن ييسر متابعة الحديث عن الصبر عند مواجهة الأعداء، حسب ما جاء عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
21 ربيع الثاني 1440هـ

تاريخ النشر  2018-12-28
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس