.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حثّ على الصبر عند مواجهة الأعداء - الحلقة الثالثة  

==========================================================

 عن أبي مُوسَى، رضي الله عنه، قال: (خَرَجْنَا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في غزوة، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ على أَرْجُلِنَا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كنا نَعْصِبُ من الخِرَقِ على أَرْجُلِنَا، وَحَدَّثَ أبو مُوسَى بهذا، ثُمَّ كَرِهَ ذَاكَ، قال: ما كنت أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ من عَمَلِهِ أَفْشَاهُ)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع)
بينت الحلقة السابقة أن الفوز بالجنة يتم بالإيمان بالله ورسوله، وإقامة الصلاة، وصوم رمضان، حتى لو لم يكن صاحب ذلك قد جاهد في سبيل الله، مع التأكيد على أن هذا البيان، والنهي عن تمني لقاء الأعداء، لا يقللان من فضل الجهاد، ومنزلة المجاهدين، مع التنبيه إلى ضرورة التفريق بين كون الجهاد تطوعاً أو فرضاً، فحين يكون فرضاً ، يكون وقتها لازماً لا بدَّ منه، والصبر عليه.

ذات الرقاع
حديث أبي موسى الأشعري أعلاه يأتي بصورة عملية لصبر السلف الصالح وجلدهم، وهم يؤدون واجباتهم لدينهم، وهذه الصورة تتعلق بغزوة ذات الرقاع، وفي شرح العيني لهذا الحديث الشريف، بيّن أن قوله: (وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ) الظاهر أنهم كانوا من الأشعريين، وقوله: (نَعْتَقِبُهُ)؛ أي نركبه عقبة، وهي أن يتناوبوا في الركوب، بأن يركب أحدهم قليلاً ثم ينزل، فيركب الآخر، حتى يأتي إلى آخرهم، وقوله: (فَنَقِبَتْ) بفتح النون وكسر القاف، يقال نقب البعير، إذا رقت أخفافه، ونقب الخف إذا تخرق، وذلك لمشيهم حفاة، قد نقبت أقدامهم، وسقطت أظفارهم، وقوله: (لِمَا كنا) أي لأجل ما فعلناه من ذلك، وقوله: (وَحَدَّثَ أبو مُوسَى بهذا) هذا موصول بالإسناد المذكور، وقوله: (ثُمَّ كَرِهَ ذَاكَ)؛ أي أبو موسى كره الحديث عن ذلك؛ لما فيه من تزكية نفسه، وقوله: (كَأَنَّهُ كَرِهَ..إلخ)؛ وذلك لأن كتمان العمل الصالح أفضل من إظهاره، إلاَّ لوجود مصلحة تقتضي ذلك، قال الله تعالى: {...وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ...}(البقرة:271) (عمدة القاري، 17/196)
فهذا الحديث الشريف يصف معاناة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام، رضي الله عنهم، خلال إحدى اللقاءات الحربية مع الأعداء، أو الاستعداد لها، وصبرهم على ذلك، واسم تلك الغزوة يدل على مدى الجلد، الذي قابل ذاك المستوى من الشدة والقسوة، التي اضطرتهم لعصب الخرق على أرجلهم، بسبب نقب أقدامهم، وسقوط أظفارهم، حيث لم يكن للنفر الستة سوى بعير واحد يعتقبونه.
فالحياة فيها الرخاء والشدة، وفيها الأمن والخوف، وهي لا تدوم على حال، فالأيام دول، مصداقاً لقوله عز وجل: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(آل عمران:140)، ومما اشتهر من الشعر الدال على هذا المعنى، ما ينسب لأبي البقاء الرّندي في رثاء الأندلس، بعد سقوط آخر معاقل المسلمين فيها، حيث قال:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
فالمطلوب فهم واقعي للأمور، يستند إلى إيمان بالمبادئ، مع التحلي بالقيم التي من أبرزها الصبر والمصابرة.

صلاة الخوف
رغم أن غزوة ذات الرقاع لم تقع فيها مواجهة عسكرية، إلا أنها شهدت تحسباً شديداً من وقوع تلك المواجهة، وقد ثبت في الحديث الصحيح، ما يدل على أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، صلى بالمسلمين الخارجين معه لهذه الغزوة صلاة الخوف، فعن جَابِرٍ، قال: (كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فإذا أَتَيْنَا على شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ، تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ من المُشْرِكِينَ، وَسَيْفُ النبي، صلى الله عليه وسلم، مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ، فَاخْتَرَطَهُ فقال: تَخَافُنِي قال: لا، قال: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قال: الله، فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ النبي، صلى الله عليه وسلم، وَأُقِيمَت الصَّلاةُ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وكان لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَرْبَعٌ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ)(صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع)
وعن صَالِحِ بن خَوَّاتٍ، عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يوم ذَاتِ الرِّقَاعِ، صلى صَلاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ معه، وَطَائِفَة وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي معه رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ، التي بَقِيَتْ من صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ قال: مالك، وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع)
سائلين الله العلي القدير أن يبدل خوفنا أمناً، وأن يلهمنا الصبر والسلوان، وأن ييسر متابعة الحديث عن الصبر عند مواجهة الأعداء، والوقوف عند مزيد من التوضيح لصلاة الخوف، من حيث مشروعيتها في القرآن الكريم، وكيفية أدائها، حسب ما جاء عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
28 ربيع الثاني 1440هـ

تاريخ النشر  2019-01-04
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس