.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حثّ على الصبر عند مواجهة الأعداء - الحلقة الأولى  

==========================================================

 جاء عن رَسُول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أنه: (في بَعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقِيَ فيها العَدُوَّ، انْتَظَرَ حتى مَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ قام في الناس، فقال: أَيُّهَا الناس لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فإذا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قال: اللهمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عليهم). (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو)
ينهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه هذا عن تمني لقاء العدو، مما يدل على أن الحرب ليست هدفاً في الإسلام، وإنما هي وسيلة قاسية يلجأ إليها عند تعذر نجاعة غيرها من الوسائل، فإذا ما تحتمت، فلا بدَّ من الصبر على تداعياتها، والله جلَّ في علاه وعد المقاتلين في سبيله النصر، فقال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج:39)

حكمة النهي عن تمني لقاء العدو وسؤال العافية
من علل النهي عن تمني لقاء العدو ما بيَّنه العيني، أنه لما فيه من الإعجاب، والاتكال على القوة؛ ولأن الناس يختلفون في الصبر على البلاء، ألاَ يُرى الذي أثخنته الجراح في بعض المغازي مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل نفسه، وقال الصديق، رضي الله تعالى عنه: لأن أعافَى فأشكر، أحب إليّ من أن أبتلى فأصبر. وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال لابنه: يا بني لا تدعوَنَّ أحداً إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه؛ لأنه باغ، والله تعالى قد ضمن نصر من بغي عليه. (عمدة القاري، 14/274)
ويذكر ابن حجر عن ابن بطال من حكم النهي، أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقيل: يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة، أو حصول الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة، ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله: وسلوا الله العافية. (فتح الباري، 6/156)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ)؛ أي السلامة من المكروهات والبليات، في الدنيا والآخرة. (عمدة القاري، 25/8)

الصبر عند المواجهة
النهي عن تمني قتال الأعداء وسؤال الله العافية، ينتقل المسلم من حالتيهما إلى الإقدام، والجلد، والشجاعة، والاستبسال، حين تتحتم المواجهة، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (فإذا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاصْبِرُوا)، فهنا ينتقل المسلم إلى ما قد كان يكره، مصداقاً لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(البقرة:216)
وقد حثَّ الله جل في علاه على الاستعانة بالصبر، لأهميته في تحقيق النصر، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(البقرة: 153)، فالله مع الصابرين، ومن كان الله معه لن يغلبه أحد، وفي آية قرآنية أخرى سبقت هذه في ترتيب آيات سورة البقرة، قال جل ذكره:{وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ}.(البقرة:45)
ويشجع الرسول، صلى الله عليه وسلم، المسلمين في حديثه الشريف أعلاه على الإقدام عند تحتم المواجهة مع الأعداء، فيقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ)، ومعناه أن ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة، يتحققان عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، ومشي المجاهدين في سبيل الله، فاحضروا فيه بصدق، واثبتوا.(صحيح مسلم بشرح النووي على 12/46- 47)

الدعاء بهزيمة الأعداء
ختم النبي، صلى الله عليه وسلم، حديثه أعلاه بدعائه: (اللهمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عليهم) ويبين ابن حجر العسقلاني أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم، فبالكتاب، إلى قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}.(التوبة:14)
وبمجري السحاب، إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب، حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى، وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارة، وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر، إلى غنيمة ما معهم، حيث يتفق قتلهم وبعدمه إلى هزيمتهم، حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة للمسلمين، وأشار بهازم الأحزاب، إلى التوسل بالنعمة السابقة، وإلى تجريد التوكل، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل، وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث، فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية، وهي الإسلام، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية، وهي الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين، وكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما، فأبقهما.(فتح الباري 6/157)
سائلين الله العلي القدير أن يلهمنا والمؤمنين والمؤمنات الصبر والسلوان، وأن يمنحنا القوة في أبداننا وقلوبنا وأهلنا، وأن ييسر متابعة الحديث عن أبعاد ومحاور تتعلق بالحث على الصبر عند مواجهة الأعداء، حسب ما جاء عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
14 ربيع الثاني 1440هـ

تاريخ النشر  2018-12-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس