.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 إسراؤه إلى المسجد الأقصى المبارك رسخ الارتباط العقائدي للمسلمين به  

==========================================================

 عن جَابِرَ بن عبد اللَّهِ، رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لَمَّا كذبتني قُرَيْشٌ، قُمْتُ في الحِجْرِ، فَجَلا الله لي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عن آيَاتِهِ، وأنا أَنْظُرُ إليه) (صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء)
وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لقد رَأَيْتُنِي في الحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عن مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عن أَشْيَاءَ من بَيْتِ المَقْدِسِ لم أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كُرِبْتُ مثله قَطُّ، قال: فَرَفَعَهُ الله لي، أَنْظُرُ إليه، ما يَسْأَلُونِي عن شَيْءٍ إلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ...). (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال)
يؤكد هذان الحديثان الشريفان حقيقة أن إسراء الله بالنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان إلى بيت المقدس، وهو مكان معروف في الشام، مما لا يدع مجالاً لتصديق المروجين لإشاعة خبر مختلق على التاريخ، حيث يقولون بأن المسجد الأقصى يقع في محيط الجزيرة العربية، وليس خارجها، فهو الأبعد فيها عن المسجد الحرام، وتلك لعمري فرية عظيمة، ينقضها خبر الحادثة حسب الوارد في السنة النبوية، والسيرة الشريفة، وتفاسير علماء الأمة الثقات، لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الإسراء:1)

في رحاب تفسير آية الإسراء
جاء في تفسير البغوي، أن معنى {سبحان} التنزه من كل سوء، ووصف بالبراءة من كل نقص، على طريق المبالغة، وتكون سبحان بمعنى التعجب {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} أي سيره، وكذلك سرى به، والعبد هو محمد، صلى الله عليه وسلم،{مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} قيل: كان الإسراء من مسجد مكة؛ أي من الحرم، {إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} يعني بيت المقدس، وسمي أقصى؛ لأنه أبعد المساجد التي تزار، وقيل لبعده من المسجد الحرام، {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} بالأنهار والأشجار والثمار، وقال مجاهد: سماه مباركاً؛ لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة والوحي، وفيه الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}؛ أي من عجائب قدرتنا والآيات الكبرى، {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ذكر السميع لينبه على أنه المجيب لدعائه، وذكر البصير لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة الليل. (تفسير البغوي، 3/92)
وفي تفسير ابن كثير: {ليلاً}؛ أي في جنح الليل، {إلى المسجد الأقصى} هو بيت المقدس الذي بإيلياء، معدن الأنبياء، من لدن إبراهيم الخليل، عليه السلام. (تفسير ابن كثير، 3/3)
وفي التسهيل لعلوم التنزيل، أن فائدة قوله {ليلاً}مع أن السري هو السير بالليل، فالجواب أنه أراد بقوله {ليلاً} بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري به في بعض الليل مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في الأعجوبة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/166)
ويذكر الرازي الاتفاق على أن المراد بالمسجد الأقصى في آية الإسراء هو بيت المقدس، وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام. (التفسير الكبير، 20/117)

الأحاديث الصحيحة تؤكد أن الإسراء تم إلى بيت المقدس
إضافة إلى النص القرآني في فاتحة سورة الإسراء على أن الله أسرى بنبيه، صلى الله عليه وسلم، إلى المسجد الأقصى، وما جاء في مصادر التفسير ومراجعه من نص صريح على أن الإسراء كان إلى بيت المقدس، فإن العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة، نصت كذلك على هذه الحقيقة التاريخية، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: (في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} قال: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ، أُرِيَهَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قال: {وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في الْقُرْآنِ} قال: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) (صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج)
فالإسراء بالرسول، صلى الله عليه وسلم، مصرح به بما لا يدع مجالاً للشك بأنه كان إلى بيت المقدس، وذكر في بعض الروايات أنه كان إلى (إيلياء)، ومعروف أنها اسم من أسماء القدس، حسب ما كان يطلق عليها في بعض العصور التاريخية، ففي الحديث الصحيح يقول أبو هُرَيْرَةَ: (أُتِيَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ من خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، قال جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لو أَخَذْتَ الخَمْرَ، غَوَتْ أُمَّتُكَ) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الإسراء، باب قوله: {أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام}(الإسراء: 1))
فالأحاديث الصحيحة تذكر اسم بيت المقدس صراحة في نصوصها المتضمنة ذكر حادثة الإسراء، مما يؤكد أن الإسراء مرتبط بالقدس ومسجدها الأقصى المبارك، وأنه من العبث إخضاع هذه الحقيقة للتأويل أو الخلاف، اللهم إلا إذا كان الهدف حرف الأنظار، وصرف القلوب عن التعلق بالقدس والمسجد الأقصى المبارك، وتلك غاية تصب في سموم مخططات أعداء الإسلام ومقدساته في القدس، لكن ما رسخ في قلوب المؤمنين من عقيدة صافية نقية حيال الإيمان بالقدس حاضنة لمسرى الرسول، صلى الله عليه وسلم، يستحيل أن ينتابه زعزعة، أو ريب، أو اضطراب، إلا لدى من زاغت قلوبهم عن جادة الحق، واتبعوا أهواءهم في سبيل خدمة المخططات المشبوهة، التي تستهدف زعزعة ارتباط المسلمين بقدسهم ومسجدهم الأقصى المبارك.

معززات أخرى لترسيخ الارتباط العقائدي للمسلمين بالمسجد الأقصى المبارك
لم تكن صدفة أو عشوائية وراء الربط المقدس بين القدس ومكة، وبين المسجد الحرام فيها والمسجد الأقصى في بيت المقدس، خلال حادثة الإسراء الثابت خبرها في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، بل يدل هذا الربط بوضوح وجزم على مكانة المكانين في الإسلام، ومنزلتهما عند المسلمين السالفين والحاضرين، ومما يعزز هذا الاستنتاج مؤكدات هذا الربط التي جاءت في سياقات أخرى، ضمن قضايا تعبدية وعقائدية مميزة، فالمسجد الأقصى كان الثاني في الوجود على وجه الأرض بعد المسجد الحرام، حسب ما رواه أبو ذَرٍّ، قال: (قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: المَسْجِدُ الأَقْصَى، قلت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ، فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ) (صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة)
والمسجد الأقصى المبارك أحد المساجد الثلاثة التي حصر تشريع شد الرحال إليها دون سواها من المساجد المنتشرة على وجه الأرض، فعن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
والمسجد الأقصى سبق المسجد الحرام في استقطاب توجه المسلمين إليه في صلاتهم، حتى جاء الأمر الإلهي بتحويل القبلة منه إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة؛ لحكمة أرادها الله جل في علاه، وعن هذا يقول تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (البقرة:144)
وعن البَرَاءِ أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (كان أَوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ، نَزَلَ على أَجْدَادِهِ، أو قال: أَخْوَالِهِ من الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صلى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صلى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلاهَا، صَلاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى معه قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صلى معه، فَمَرَّ على أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فقال: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لقد صَلَّيْتُ مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كما هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتْ اليَهُودُ قد أَعْجَبَهُمْ؛ إِذْ كان يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فلما وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذلك) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان)
فهذه المعززات المؤكد ثبوتها في ديننا الإسلامي تعاضد حقيقة ارتباط المسلمين عقائدياً وتعبدياً بالمسجد الأقصى المبارك، والقدس التي تحتضنه، مما يعني استحالة قبول أي عرض للمساومة على هذا الحق الأزلي، أو قبول مجرد التفكير بأي بديل عنهما، وحادثة الإسراء تنشط مكنونات المسلمين في أنحاء الدنيا تجاه مسجدهم الأقصى المبارك، الذي أسري إليه بالنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
26 رجب 1439هـ

تاريخ النشر  2018-04-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس