.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أولى الزمن عناية خاصة في الأضاحي  

==========================================================

 عن الْبَرَاءِ، رضي الله عنه، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَوَّلَ ما نَبْدَأُ بِهِ في يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، من فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هو لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، ليس من النُّسُكِ في شَيْءٍ)(صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية)
كثيراً ما يكون للزمن اعتبارات في الهدي القرآني والنبوي، فيما يخص الشعائر التعبدية وغيرها، حتى إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، تحدث عن الزمان في خطبة الوداع، فقال: (الزَّمَانُ قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، منها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ، الذي بين جُمَادَى وَشَعْبَانَ)(صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين)، فالزمان له اعتبارات عقائدية وتعبدية عديدة ومهمة، فالصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، لكل فرض منها وقت بداية ووقت انتهاء، والصوم يبدأ شهره برؤية الهلال، وينتهي برؤية هلال شهر شوال الذي يليه، والزكاة يشترط لوجوبها أن يمر عام على اقتناء نصابها، والحج له أشهر معلومات، وتؤدى بعض مناسكه في فترات زمانية محددة، والتضحية لها وقتها وزمانها الذي لا يصح أن تبدأ قبله، ولا يقبل أن تتم بعده، وفي الحديث الشريف أعلاه يحدد الرسول، صلى الله عليه وسلم، الزمن الذي يصح أن تبدأ منه التضحية في سبيل الله تعالى، وذلك بعد انتهاء صلاة العيد، أما قبلها فلا يكون زمناً مشروعاً لأداء نسك التضحية، وتضافرت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، في التشديد على لزوم التقيد بزمن بدء التضحية، فالذي يتقيد بذلك يوافق سنته، عليه السلام، والله تعالى أمر بالنحر بعد الصلاة، فقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}(الكوثر:2)، وفي روايات جاء أن المتقيد بوقت بدء التضحية يوافق سنة المسلمين، فعن أَنَسِ بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من ذَبَحَ قبل الصَّلاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ)(صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية)
ومعظم الأحاديث الصحيحة بالخصوص تفيد أن ما يذبح قبل صلاة العيد يكون ذبيحة لحم، وليست أضحية حسب النسك الشرعي، وقوله: (ليس من النُّسُكِ في شَيْءٍ) أي العبادة؛ أي لا ثواب فيها، بل هي لحم ينتفع به أهله.(عمدة القاري:21/145)
وفي بعض الأحاديث أمر الذي ينوي ذبح أضحية بذبح أخرى بعد صلاة العيد مكان التي ذبحها قبلها، فعن جُنْدَبَ ابن سُفْيَانَ الْبَجَلِيّ، قال شَهِدْتُ النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم النَّحْرِ، فقال: (من ذَبَحَ قبل أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لم يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ)(صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد)
والزمن الذي ينتهي به وقت التضحية، على الرأي الراجح من أقوال الفقهاء، عند غروب شمس ثالث أيام التشريق، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، عليه السلام: (كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بطن عُرَنَةَ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ فِجَاجِ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ)(مسند أحمد، مسند المدنيين، حديث جبير بن مطعم، وقال الأرنؤوط: حديث صحيح لغيره)، بمعنى أن فترة التضحية تستمر أربعة أيام، يوم النحر والأيام الثلاثة التي تليه.

عمر الأضحية وادخارها
ترتبط الأضحية بالزمن من ناحية عمر الذبيحة المراد التضحية بها، ومسألة ادخارها بعد ذبحها، فعمر الأضحية، ورد تحديده في السنة الصحيحة، فعن جَابِرٍ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لا تَذْبَحُوا إلا مُسِنَّةً، إلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً من الضَّأْنِ)(صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية)
وبين العلماء العمر الأدنى المقبول للأضحية، بأن تبلغ الماعز من الغنم سنة، فما فوق، ومن الضأن ستة شهور، ومن البقر عامين، والإبل خمسة أعوام.
وبالنسبة إلى مسألة ادخار الأضحية، فقد ورد النهي عنه في بعض الأحاديث، كحديث عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (كُلُوا من الأَضَاحِيِّ ثَلاثًا، وكان عبد اللَّهِ يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ، حين يَنْفِرُ من مِنًى من أَجْلِ لُحُومِ الْهَدْيِ)(صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها)
لكن روايات صحيحة أخرى عللت سبب هذا النهي، فعن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من ضَحَّى مِنْكُمْ فلا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وبقي في بَيْتِهِ منه شَيْءٌ، فلما كان الْعَامُ الْمُقْبِلُ قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ نَفْعَلُ كما فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي، قال كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، فإن ذلك الْعَامَ كان بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فيها)( صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها) وعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (الضَّحِيَّةُ كنا نُمَلِّحُ منه، فَنَقْدَمُ بِهِ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَدِينَةِ، فقال: لا تَأْكُلُوا إلا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ منه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)( صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها)، مما يعني أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي لأكثر من ثلاثة أيام ليس واجباً، وإنما يرخص ادخارها، بل إن حديث سلمة بن الأكوع واضح في ربط النهي بظرف عارض، وبالتالي يزول بزواله، والله أعلم.

فهذه بعض نواحي الزمن الخاص بالأضاحي، سائلين الله العلي القدير أن يتقبل أضاحينا، وأن يهدينا دائماً للتأسي برسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه، وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
6 ذو الحجة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-08-17
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس