.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله بالاستعاذة من الشيطان - الحلقة السادسة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وإذا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ؛ فإنه رَأَى شَيْطَانًا) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال)
الحلقة السابقة تعرضت للعداوة القائمة الدائمة للأنبياء وأتباعهم، من شياطين الإنس والجن، وقد بين رب العزة سبحانه، أن سنته قضت بأن يجعل لكل نبي عدواً منهما، ووصف الله تعالى أعداء الأنبياء بالمجرمين، والمراد بهم شياطين الإنس والجن، ووصف الله بعض الناس بالشياطين، من خلال الدور الخبيث الذي يؤدونه ضد الحق والإيمان وأهلهما، ومنه استفزاز الأنبياء وأتباعهم من الأرض لإخراجهم منها، لكن الله تعالى وعد رسوله، صلى الله عليه وسلم، بأن مخرجيه من الأرض لن يلبثوا بعده فيها إلا قليلاً، وكذلك الشعب الفلسطيني الذي يجد ما يجد من زمرة شياطين الإنس والجن، الذين يتحالفون ضده، لابتلاع أرضه، ومحاولة إلغاء وجوده، وتدنيس مقدساته، وإحلال غرباء مكانه، سيمحقهم الله، كما محق الذين من قبلهم. وأبناء الشعب الفلسطيني يجدون في تدبرهم للآيات القرآنية الكريمة، ما يبلسم جراحهم النازفة، فهم الذين هُجِّروا من أجزاء شاسعة من أرضهم، وما زالت يد الغصب، وآليات الابتلاع الظالم للأرض الفلسطينية، تفعل الأفاعيل الآثمة ضدها، والمناسبة السنوية لذكرى يوم الأرض، تجدد للقاصي والداني التأكيد بأن أصحاب الحق بهذه الأرض لن يفرطوا بحقهم، ولا بأرضهم، وأن جولة الظالم لن تدوم، كما لم تدم نشوة الذين أخرجوا الأنبياء، عليهم السلام، من أوطانهم بغير حق.
والحديث عن دواعي الاستعاذة من الشيطان متشعب ومجالاته طويلة، تصعب الإحاطة بها، لذا سيتم في هذه الحلقة الوقوف عند بعض تلك المجالات، مما لم يتم الحديث عنه في الحلقات الخمس السابقة، لتحقيق مزيد من النفع بالتذكير، وذلك على النحو الآتي:

التعوذ عند سماع نهيق الحمار صباحاً
في الحديث الشريف أعلاه، يعلم الرسول، صلى الله عليه وسلم، المسلمين درساً في مجالات الاستعاذة من الشيطان، ففي الصباح قد يسمع المرء إذا كان في محيطه ديكة صياحها، فهنا يسن للسامع أن يسأل الله من فضله، حيث إنها صاحت لرؤيتها ملكاً، بينما لو سمع نهيق حمار، فيسن له أن يستعيذ بالله من الشيطان، حيث إن النهيق من الحمار، كان لرؤيته شيطاناً، وهذا يدل على أمور رئيسة، منها: أن الشيطان يتحرك بيننا، يصول ويجول لإحداث الفساد، وإيقاد نار الشر، وأنه يرى من قبل الكائنات الحية الأخرى، أو بعضها، وأن التعوذ منه مطلوب، لتفادي شره، وإحباط عمله، ورد كيده، وفي المقابل؛ فإن الملائكة أيضاً تتحرك بيننا بالخير، وإن بعض الكائنات الحية الأخرى تراها، وتتفاعل مع هذه الرؤية، فالديك يصيح صباحاً استبشاراً برؤيتها، وعند سماع صياحه يسن التوجه إلى الله بالدعاء؛ طلباً لفضله وخيره سبحانه.
ونزول الملائكة وقت الفجر ثابت، فعن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الْعَصْرِ، وَصَلاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ -وهو أَعْلَمُ بِهِمْ- كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة)

الاستعاذة من الشيطان عند الرؤيا المزعجة
ورد في السنة النبوية المطهرة بالنسبة إلى الرؤية التي يراها النائم، إن كانت مزعجة له، أن يستعيذ بالله من الشيطان، فعن جَابِرٍ عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قال: (إذا رَأَى أحدكم الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الذي كان عليه). (صحيح مسلم، كتاب الرؤيا)
فكثيراً ما يجد المرء نفسه في حال من الضيق والنكد والانزعاج، بسبب ما رأى في المنام، مما قد يضطر بعضهم إلى اللجوء لمن يفسر له ما رأى، وهنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، يرشد إلى معالجة الأمر بسهولة ويسر، من خلال البصق -التفل- عن اليسار ثلاثاً، والاستعاذة بالله من الشيطان ثلاثاً، والتحول عن الجنب الذي كان نائماً عليه، فهذه الإجراءات الثلاثة تساعد في التخلص من تبعات الرؤية المزعجة بعون الله، بخلاف الرؤية الحسنة، فإنها مدعاة للاستبشار، مع التحذير من التحدث بالرؤيا أياً كانت إلا لمقربين يثق بهم صاحبها، فعن أبي قَتَادَةَ عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قال: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ من اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ من الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ منها شيئاً فَلْيَنْفُثْ عن يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ، لا تَضُرُّهُ ولا يُخْبِرْ بها أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيُبْشِرْ، ولا يُخْبِرْ إلا من يُحِبُّ) (صحيح مسلم، كتاب الرؤيا)

الاستعاذة عند دخول مكان قضاء الحاجة
عن أَنَسِ بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، قال: كان النبي، صلىالله عليه وسلم ، إذا دخل الخَلاءَ، قال: (اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ) (صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الخلاء)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (اللهم إني أَعُوذُ بِكَ...)؛ أي ألوذ، وألتجىء، من العوذ، وقوله: (من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ) قال الخطابي: بضم الخاء والباء، جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وقال ذلك؛ لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى، فقدم لها الاستعاذة احترازاً منهم.
وفي شرح السنة، الخبث الكفر، والخبائث الشياطين، وقال ابن بطال: الخبث بالضم يعم الشر، والخبائث الشياطين، وبالسكون مصدر خبث الشيء، يخبث خبثاً، وقد يجعل اسماً، وزعم ابن الأعرابي أن أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام، فهو الشتم، وإن كان من الملل، فهو الكفر، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن كان من الشراب، فهو الضار، وقال ابن الأنباري، وصاحب المنتهى: الخبث الكفر، ويقال الشيطان، والخبائث المعاصي، جمع خبيثة، ويقال: الخبث خلاف طيب الفعل، من فجور وغيره، والخبائث الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة. (عمدة القاري، 2/270)
ذكر لفظ (كان) الوارد على لسان أنس في الحديث سالف الذكر، يدل على الثبوت والدوام، وقوله: (إذا دخل الخلاء)، أي إذا أراد دخول الخلاء؛ لأن اسم الله تعالى مستحب الترك بعد الدخول، وهذا التقدير مصرح به، وهذا كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (النحل: 98)، والتقدير إذا أردت قراءة القرآن، فاستعذ بالله؛ لأن الله تعالى إنما يذكر في الخلاء بالقلب، لا باللسان، وقال القشيري: المراد به ابتداء الدخول، ويرى العيني أن الأمر لا يحتاج إلى هذا التأويل، فإن المكان الذي تقضى فيه الحاجة لا يخلو، إما أن يكون معداً لذلك، كالكنف، أو لا يكون معداً، كالصحراء، فإن لم يكن معداً، فإنه يجوز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معداً، ففيه خلاف للمالكية، فمن كرهه أول الدخول، بمعنى الإرادة؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح، أو لأنه بين في حديث آخر.
والاستعاذة من النبي، عليه الصلاة والسلام، إظهار للعبودية، وتعليم للأمة، وإلا فهو عليه الصلاة والسلام، محفوظ من الجن والإنس، قالوا: ويستحب أن يقول بسم الله مع التعوذ. (عمدة القاري 2/270-272)
فهذه نماذج أخرى لمجالات ورد الحث فيها على الاستعاذة من الشيطان، عسى أن يكون في التذكير فيها، وما سبقها، حافز للبحث عن المزيد منها، من ناحية، ومنبه لأهمية الاستعاذة من شر هذا العدو اللدود، الذي يمثله أحياناً جن وبشر، أو بعض منهما، لتحقيق مأرب الشيطان الأكبر الذي بعد الإغواء يتبرأ من أتباعه، مصداقاً لقوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}(الحشر: 16)
عافانا الله من شر الشيطان وكيده وخطواته وهمزاته ونزغه، لنبرأ منه وذرارينا قبل أن يتبرأ منّا ومنهم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 رجب 1439هـ

تاريخ النشر  2018-04-06
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس