.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله بالاستعاذة من الشيطان - الحلقة الرابعة  

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (أَمَا لو أَنَّ أَحَدَهُمْ يقول حين يَأْتِي أَهْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ، اللهم جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا في ذلك - أو قُضِيَ - وَلَدٌ، لم يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا) (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله)
في الحلقة السابقة، تم الوقوف عند المراد بنزغ الشيطان وهمزاته، فهو يوسوس، ويزين المنكر، ويحرك الغضب، ومن التعاليم الربانية القرآنية أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تعالج نزغ الشيطان وهمزاته وتكافحهما، والشيطان للناس عدو مبين، ينبغي لهم أن يتخذوه عدواً، وأن يستعيذوا بالله منه.
وبمناسبة يوم الأم العالمي، والذي يحلو لبعض الناس تسميته بيوم الأسرة، وحيث إن الحديث يدور هنا حول الاستعاذة من الشيطان، فقد يكون من المفيد الوقوف عند بعض القضايا الأسرية التي ورد الحث فيها على الاستعاذة من الشيطان، لحماية الأسرة وعناصرها من شره وكيده، ومنها ما يأتي:

الاستعاذة من الشيطان عند لقاءات إنجاب الأبناء
من المجالات والأحوال التي ورد الحث فيها على الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، لتحقيق مصالح أسرية مستقبلية، تنفع الوالدين وذريتهما، الدعاء بذلك عند حصول المعاشرة بين الزوجين، فقد علّم الرسول، صلى الله عليه وسلم، الأزواج دعاء يدعون به عند الجماع، الذي من ثماره إبعاد شر الشيطان عن الولد الذي يرزقانه الزوجان، على إثر هذا الجماع المقترن بالاستعاذة، والظاهر من الحديث المذكور أعلاه، في أن قول من يجامع امرأته: (بِاسْمِ اللَّهِ، اللهم جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا)، يكون مع الفعل، ويمكن حمله على المجاز، حيث إن بعض الروايات دلت على أن هذا الدعاء يكون قبل الشروع بالجماع. (فتح الباري: 9/ 228)
وقوله: (لم يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا) يعني لم يسلط عليه بالكليّة، وإلاَّ فلا يخلو من الوسوسة. (عمدة القاري:15/175)
ومن دلالات هذا الحث النبوي، أن التحرز من شر الشيطان مطلوب للحاضر والمستقبل، فالحديث بين أن الولد المقدر للزوجين من معاشرة مصحوبة بالاستعاذة، يتحصن بذلك من ضر الشيطان.
الابن المحصن من الشيطان يبر بوالديه ولا يعقهما
من أشكال التحصن من الشيطان بالاستعاذة أن يشب المرء ويشيب على طاعة الله وبر والديه، انصياعاً للأوامر الربانية، حيث يقول تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} (الإسراء:23)، وبالتأكيد أن المحمي من كيد الشيطان ونزغه، لا يقترف العقوق، المعتبر في ديننا الحنيف من أكبر الكبائر، فعن أَنَسِ بن مَالِكٍ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، أو قال وَشَهَادَةُ الزُّورِ) (صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى:{ومن أحياها}(المائدة: 32))
والمحصن من الشيطان لا يسب والديه، ولا يتسبب بذلك، عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو، رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ من أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قال: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أمه) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه)
والولد المحصن من الشيطان يعرف قدر والديه، ويحسن صحبتهما، وبخاصة أمه، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (جاء رَجُلٌ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ من أَحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قال: أُمُّكَ، قال: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ؟ قال: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ أَبُوكَ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة)

الصالحون يعيذون أبناءهم من الشيطان
حرص الوالدين على تحصين ذريتهما من الشيطان، له شواهده من أفعال الصالحين وأقوالهم، التي ذكرت في القرآن الكريم، ومنها أن امرأة عمران كانت تعيذ ابنتها مريم بالله من الشيطان، فقال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(آل عمران:36)
فامرأة عمران لما رزقها الله بنتاً، توجهت إلى الباري سبحانه طالبة الحماية لها وذريتها من الشيطان الرجيم، فاستجاب الله دعاءها، فكان من نسل الابنة مريم المسيح عيسى، عليهما السلام، الذي كان آية للعالمين، وكان بفضل الله وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين لرب العالمين سبحانه، مصداقاً لشهادة الله الخالق سبحانه: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (آل عمران:45)
ومن لطف الله ورعايته لعيسى وأمه مريم، عليهما السلام، ومن استجابته سبحانه لإعاذة امرأة عمران بالله، لمريم وذريتها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أن جنبها الله وابنها المسيح، عليهما السلام، وخز الشيطان، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حين يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا من مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إلا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ثُمَّ يقول أبو هُرَيْرَةَ: واقرؤوا إن شِئْتُمْ {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة آل عمران، باب: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}(آل عمران: 36))
والرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يمارس إعاذة بنيه من الشيطان، تأسياً بإبراهيم، عليه السلام، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كان يُعَوِّذُ بها إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، من كل شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كل عَيْنٍ لَامَّةٍ) (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب منه)
قوله (كان) يدل على أنه، صلى الله عليه وسلم، كان يكثر التعويذ بهذه الكلمات، ومعنى التعوذ اللجوء، وهو والاستعاذة والتعويذ، كلها بمعنى واحد، يعني كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعوذ الحسن والحسين بقوله: أعوذ بكلمات الله التامة، إلى آخره، ويقول لهما: (إن أباكما كان يعوذ بها)، أي بهذه الكلمات، كان إبراهيم، عليه السلام يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق. (عمدة القاري:15/265)

نموذج لوقاية الأبناء العملية من كيد الشيطان وأذاه
تحصين الأبناء من كيد الشيطان وشره وأذاه، لا يقتصر على الدعاء والاستعاذة، وإنما يشمل العمل الذي يخدم هذا الغرض كذلك، وقد علمنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، سلوكات عديدة بهذا الصدد، منها ما جاء في الحديث الشريف عن جَابِر بن عبد اللَّهِ، رضي الله عنهما، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إذا كان جُنْحُ اللَّيْلِ، أو أَمْسَيْتُمْ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فإن الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فإذا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ من اللَّيْلِ، فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فإن الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان جُنْحُ اللَّيْلِ) أي أقبل، حين تغيب الشمس، والجيم في (جنح) تضم وتفتح وتكسر، ومعناه طائفة من الليل، وقيل ظلمته وظلامه، وقيل أوّله، وهو المراد هنا، (فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ) أي امنعوهم عن التردد، والخروج من البيوت، في ذلك الوقت، (فإن الشَّيَاطِينَ) أي الجن، (تَنْتَشِرُ) أي تفترق، وتنبت وتختطف حينئذ، (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) أي حين الإغلاق، (فإن الشَّيْطَانَ) أي جنسه، (لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا) أي باباً أغلق مع ذكر اسم الله عليه.( مرقاة المفاتيح: 8/183)
فاتخاذ الاحتياطات الوقائية المستمرة من شر الشيطان أمر مشروع، مع لفت الأنظار إلى أنه على رأس الأعمال التي تصرف عن بني آدم شر الشيطان، ذكر الله تعالى، والعمل بأوامره سبحانه، والكف عن نواهيه، والتأسي بسيرة نبيه، صلى الله عليه وسلم، فكيده ضعيف أمام قدرة الله جل في علاه، مصداقاً لقوله سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} (النساء:76)
راجين الله أن ييسر متابعة الحديث عن المزيد من صور الاستعاذة من الشيطان، حسب التوجيهات القرآنية، والسنة الصحيحة المروية عن رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
5 رجب 1438هـ

تاريخ النشر  2018-03-23
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس