.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله بالاستعاذة من الشيطان - الحلقة الخامسة  

==========================================================

 قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام: 112)
الحلقة السابقة تعرضت إلى بعض القضايا الأسرية التي ورد الحث فيها على الاستعاذة من الشيطان، لحماية الأسرة وعناصرها من شره وكيده، ومن تلك القضايا، الاستعاذة من الشيطان عند لقاءات إنجاب الأبناء، فالابن المحصن من الشيطان يبر والديه ولا يعقهما، وأبرز متطلبات التحصن بالاستعاذة من الشيطان أن يشب المرء ويشيب على طاعة الله وبر والديه، انصياعاً للأوامر الربانية. وحرص الوالدين على تحصين ذريتهما من الشيطان، له شواهده من أفعال الصالحين وأقوالهم، ومن الذين ذكر القرآن الكريم عنهم ذلك، امرأة عمران التي كانت تعيذ ابنتها مريم بالله من الشيطان، وتوجهت إلى الباري سبحانه طالبة الحماية لها وذريتها من الشيطان الرجيم، فاستجاب الله دعاءها، فكان من نسل الابنة مريم، عليها السلام، المسيح عيسى، عليه السلام، الذي كان آية للعالمين، وكان بفضل الله وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين لرب العالمين سبحانه، ومن لطف الله ورعايته بعيسى وأمه مريم، ومن استجابته سبحانه لإعاذة جدته امرأة عمران بالله، لأمه، وذريتها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أن جنبهما الله وخز الشيطان، والرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يمارس إعاذة بنيه من الشيطان، تأسياً بإبراهيم، عليه السلام، وفي ذلك نموذج لوقاية الأبناء من كيد الشيطان وأذاه.

عداوة شياطين الإنس والجن
العداوة بين الشيطان وبني آدم قائمة دائمة، وفي الآية القرآنية المذكورة أعلاه من سورة الأنعام، يبين رب العزة، أن سنته قضت بأن يجعل لكل نبي عدواً، من شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً، وهذه الآية تسلية للنبي، صلى الله عليه وسلم، بالتأسي بغيره، ومعنى{شياطين الإنس والجن}؛ أي المتمردين من الصنفين، {يوحي بعضهم إلى بعض}؛ أي يوسوس ويلقي الشر، {زخرف القول غرورا} ما يزينه من القول. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/19)
ومما أورده الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة، أن الله تعالى يبين لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، أنه كما خلى بينه وبين أعدائه، وكذلك فعل بمن قبله من الأنبياء وأعدائهم، لم يمنعهم من العداوة؛ لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثر الثواب والأجر، وقوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}؛ أي يوسوس شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجنّ إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وعن مالك بن دينار، أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ؛ لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عني، وشيطان الأنس يجيئني، فيجرّني إلى المعاصي عياناً، وقوله: {زُخْرُفَ الْقَوْل}؛ أي ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، ويموّهه، {غُرُوراً}؛ أي خدعاً، وأخذاً على غرّة، {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} ما فعلوا ذلك، أي ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول، بأن يكفهم، ولا يخليهم وشأنهم. (الكشاف، 2/56)
وفي موضع قرآني آخر، وصف الله تعالى أعداء الأنبياء بالمجرمين، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} (الفرقان:31) فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن، وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين. (أضواء البيان، 1/490)
ووصف الله بعض الناس بالشياطين، من خلال الدور الخبيث الذي يؤدونه ضد الحق والإيمان وأهلهما، وعن هذا يقول عز وجل: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة:14)

الاستفزاز من الأرض للإخراج منها
من عداوة شياطين الإنس والجن للأنبياء، أن يستفزوهم من الأرض، وفي هذا يقول عز وجل: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً* سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} (الإسراء: 76-77)
يذكر الرازي أن المراد بالأرض في قوله تعالى: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ} على القول الأول مكة، وعلى القول الثاني المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكان مخصوص، كقوله تعالى: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض}(المائدة: 33) يعني من مواضعهم، وقوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ} (يوسف: 80)، يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة، فإن قيل: قال الله تعالى: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِي أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ}(محمد: 13)، يعني مكة والمراد أهلها، فذكر أنهم أخرجوه، وقال في هذه الآية: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} فكيف يمكن الجمع بينهما على قول من قال الأرض في هذه الآية مكة؟ وأجيب عن ذلك بأنهم هموا بإخراجه، وهو عليه الصلاة والسلام ما خرج، بسبب إخراجهم، وإنما خرج بأمر الله تعالى، فزال التناقض. (التفسير الكبير، 21/20)
وقوله تعالى: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك بمكة إلا قليلاً، فلما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، مهاجراً من مكة إلى المدينة لأجل إذاية قريش له ولأصحابه، لم يبقوا بعد ذلك إلا قليلاً، وقتلوا يوم بدر. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/177)

بوار المخططات الشيطانية لابتلاع أرضنا
الدور العدائي لشياطين الإنس والجن، لا ينحصر في مجال دون سواه، أو في زمان دون غيره، وإنما هما يؤديانه بكل شراسة وخبث، ضد الأنبياء وأديانهم وأتباعهم، ومن صور هذا العداء ما يجده الشعب الفلسطيني من زمرة شياطين الإنس والجن، الذين يتحالفون ضده، لابتلاع أرضه ومحاولة إلغاء وجوده، وتدنيس مقدساته، وإحلال غرباء مكانه.
وأبناء الشعب الفلسطيني يجدون في تدبرهم للآية القرآنية الكريمة سالفة الذكر ما يبلسم جراحهم النازفة، فهم الذين هُجِّروا من أجزاء شاسعة من أرضهم، وما زالت يد الغصب، وآليات الابتلاع الظالم للأرض الفلسطينية، تفعل الأفاعيل الآثمة ضدها وإياهم، ومناسبة ذكرى يوم الأرض، التي أضحت مناسبة وطنية سنوية تجدد للقاصي والداني التأكيد بأن أصحاب الحق بهذه الأرض لن يفرطوا بحقهم، ولا بأرضهم، فارتباطهم بها عميق عمق جذور أشجارها، وراسخ رسوخ جبالها، ولن يدوم الحال لظالم، فالذين تآمروا على إخراج النبي، صلى الله عليه وسلم، من بلده وأرضه، دفعوا ثمناً باهظاً يوم بدر، الذي لم يبعد عن يوم التآمر كثيراً، وهكذا المتآمرون على حقوق شعبنا وأرضه، المتحالفون مع شياطين الإنس والجن سيدفعون ثمناً قريباً عاجلاً، يوم يظهر الحق، ويزهق الباطل، بإذن الملك الديان، الذي أمره بين الكاف والنون، وتلك سنّته التي لن يكون لها تبديل ولا تحويل، {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}، وهي أن يهلك كل أمة أخرجت رسولهم من بين أظهرهم، فالسنة لله تعالى، وإضافتها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم، على ما ينطق به قوله عز وجل: {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}أي تغييراً. (تفسير أبي السعود، 5/189)
والأمثلة التي يضربها الله في قرآنه الكريم، والقصص التي يسوقها فيه، إنما يريد منها التدبر والاتعاظ، مع علمه سبحانه المسبق أن أكثر الناس لن ينفع معهم التذكير، فيقول جل شأنه:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} (الإسراء: 89)
فأكثر الناس يصرون على ما هم فيه من غواية، ويتحزبون مع الشيطان، ضد الهدى والحق والعدل، وما أيقنوا أنهم وحزبهم وقائدهم الشيطان إلى الجحيم، مصداقاً لقول منزل القرآن الكريم فيه:{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} (المجادلة:19)
سائلين الله العلي القدير أن يرد المُهَجَّرين من أبناء شعبنا الباسل إلى أرضهم ظافرين، وأن ييسر ختم الحديث في الحلقة القادمة عن صور الاستعاذة من الشيطان، حسب التوجيهات القرآنية، والسنة الصحيحة المروية عن رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 رجب 1438هـ

تاريخ النشر  2018-03-30
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس