.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله بالاستعاذة من الشيطان - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن عَائِشَة، زَوْج النبي، صلى الله عليه وسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ من عِنْدِهَا لَيْلًا، قالت: فَغِرْتُ عليه، فَجَاءَ فَرَأَى ما أَصْنَعُ، فقال: مالك يا عَائِشَةُ؟ أَغِرْتِ؟ فقلت: وما لي لا يَغَارُ مِثْلِي على مِثْلِكَ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ، قالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، أو مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قال: نعم، قلت: وَمَعَ كل إِنْسَانٍ؟ قال: نعم، قلت: وَمَعَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: نعم، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عليه حتى أَسْلَمَ) (صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس...)
في الحلقة السابقة، التي بُدئت بالأمر الرباني الخاص بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، عند قراءة القرآن الكريم؛ والذي تم التأكيد في سياقها على أن سلطان الشيطان، وتسلطه لا يكون على المؤمنين بالله وحده، المتوكلين عليه سبحانه، وإنما يكون سلطانه وتسلطه على الذين يتولونه، وفيها أيضاً تم بيان معنى الاستعاذة وماهيتها، وأن الاستعاذة لا تتم إلا بعلم وحال وعمل، أما العلم فهو كون العبد عالماً بكونه عاجزاً عن جلب المنافع الدينية والدنيوية، وعن دفع المضار الدينية والدنيوية جميعها وإيجادها، فثبت بما ذكر أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية، وذلة العبودية، لا يصح منه أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والذي يدل على كون الإنسان عاجزاً عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة، أن الصادر عن الإنسان إما العمل، وإما العلم، وهو في كلا البابين في غاية العجز، أما العلم فما أشد الحاجة في تحصيله، وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله. وتعرضت الحلقة السابقة كذلك للعداء المتأصل مع الشيطان، فالعداء منه للإنسان بدأ منذ أن سخطه الله بسبب تكبره عن التقيد بطاعته سبحانه، فينبغي التحصن بالاستعاذة منه.

لكل إنسان قرينه من الجن
يدل الحديث الشريف الصحيح أعلاه على اتساع نطاق تأثير الشيطان في الإنسان، فهو ملاصق له، متابع لسكناته وحركاته، لأقواله وأفعاله، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن الشَّيْطَانَ يَجْرِي من ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه)
فالشيطان يعمل جهده ليغوي الإنسان عن جادة الحق والهدى إلى الغواية والضلال والانحراف، وهذا الدور التلازمي ابتلي الناس به، ومن الأحاديث الصحيحة المؤكدة لذلك، قوله، صلى الله عليه وسلم: (ما مِنْكُمْ من أَحَدٍ إلا وقد وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ من الجِنِّ، قالوا: وَإِيَّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: وَإِيَّايَ إلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عليه، فَأَسْلَمَ، فلا يَأْمُرُنِي إلا بِخَيْرٍ) (صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس)

إغواء الشيطان لآدم، عليه السلام، وزوجه
بدأ الشيطان بممارسة الإغواء للناس بما فعله مع أبيهم آدم وزوجه، والإغواء من غوى الرجل يغوي غياً، إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه، ومنه: {وعصى آدم ربه فغوى}؛ أي فسد عيشه في الجنة، وقال: {لأقعدن لهم}؛ أي لأجهدن في إغوائهم، حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم. (فتح القدير، 2/192)
فالشيطان زين لآدم وزوجه الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عنها، وعن ذلك يحدث القرآن الكريم، فيقول تعالى: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ* وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ* قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} (الأعراف: 19-25)
حصل الإغواء لآدم وزوجه على الرغم من التحذير الرباني منه ومن مآلاته، حيث بيّن سبحانه لهما أن الأكل من الشجرة المنهي عنها مؤداه أن يكونا من الظالمين، والخروج من الجنة، والمعاناة من الشقاء بعد ذلك، فقال جل شأنه: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} (طه:117)
والشيطان مارس دوره الإغوائي، فكانت منه الوسوسة، التي تكون بأساليب وأشكال لا تعد ولا تحصى، فكانت هنا بتبرير المخالفة للأمر الرباني، بأمور، منها قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ} وأقسم لهما أنه لهما ناصح أمين، وأنه يريد أن يدله على شجرة الخلد، وملك لا يبلى، كما قال تعالى:{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} (طه: 120)
وكانت النتيجة الأولية أن استجاب آدم وزوجه لهذا الإغواء، وأكلا من الشجرة، ووقعا في فعل المحظور، وانتهى الحال بهما إلى الهبوط من الجنة إلى الأرض.
وأتبع الله ما حصل لآدم وزوجه جرّاء هذا الإغواء بتحذير بنيه من بعده من إغواء الشيطان وفتنته، فقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 27)

المرأة ووزر الخطيئة
بعكس معتقدات بعض الناس من أهل الكتاب وغيرهم، ممن يُحَّملون زوج آدم وزر معصية الأكل من الشجرة، التي نهي عنها، وكانت النتيجة أن أمر الله بهما، فأهبطا من الجنة، فإن الإسلام يرفض هذا المنحى بصورة قاطعة، فالقرآن الكريم لما تحدث عن تلك المعصية نسبها إلى آدم، ولم ينسبها إلى زوجه، فقال تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه: 121)
وتفسير {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} أي جهل، وقيل أخطأ، فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله:{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طه:115)، قال ابن عباس: نسي عداوة إبليس، وما عهد الله إليه من ذلك بقوله: إن هذا عدو لك ولزوجك، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وسمي الإنسان إنساناً؛ لأنه عهد إليه فنسي، وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالاً لها، ولكنهما اغترا بحلف. (تفسير الثعالبي، 1/51)
ويقول القرطبي: إن قيل لم قال عليه، ولم يقل عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال: ولا تقربا هذه الشجرة، وقالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فالجواب أن آدم، عليه السلام، لما خوطب في أول القصة، بقوله أسكن خصه بالذكر في التلقي، فلذلك كملت القصة بذكره وحده، وأيضاً، فلأن المرأة حرمة ومستورة، فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله، وعصى آدم ربه، فغوى وأيضاً، لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر، لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى في قوله، ألم أقل لك، وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه، أنه تاب عليها، إذ أمرهما سواء قاله الحسن. (تفسير القرطبي، 1/325)
والمتدبر في الآيات القرآنية التي تتحدث عن قضية المعصية التي وقعت من آدم، عليه السلام، وزوجه، يجد أن القرآن الكريم نسب سببها إلى وسوسة الشيطان وإغوائه، ولم يشر إلى أن زوج آدم قد أغوته، وإنما اقتصر ذكرها على مشاركة آدم بالأكل من الشجرة، وتأثرها بالنتيجة أن بدت لهما سَوْآتُهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وفي المحصلة أن ما حصل كله تم بإرادة الله وقدره.
فعداوة الشيطان الدائمة للإنسان قديمة جديدة ومستمرة، فينبغي التنبه إلى لزوم الحذر منه، والاستعاذة من شره وإغوائه، راجين الله أن ييسر متابعة الحديث عن المزيد من أبعاد التقيد بأمر الله الخاص بالاستعاذة من الشيطان، كما كان يستعيذ رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
21 جمادى الآخرة 1438هـ

تاريخ النشر  2018-03-09
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس