.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله بالاستعاذة من الشيطان - الحلقة الثالثة  

==========================================================

 يخاطب الله رسوله الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، بقوله عز وجل: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 200)
في الحلقة السابقة، تم التذكير بأن لكل إنسان قرينه من الجن، مما يدل على اتساع نطاق تأثير الشيطان على الإنسان، فهو ملاصق له، متابع لسكناته وحركاته، لأقواله وأفعاله، وتم الوقوف كذلك عند قضية إغواء الشيطان لآدم، عليه السلام، وزوجه، حيث بدأ الشيطان ممارسة الإغواء للناس بما فعله معهما، فزين لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عنها، ممارساً بذلك دوره الإغوائي، فكانت منه الوسوسة، التي تكون بأساليب وأشكال لا تعد ولا تحصى، ووقعت من الشيطان لآدم وزوجه بتبرير المخالفة للأمر الرباني، وكانت النتيجة الأولية أن استجاب آدم وزوجه لهذا الإغواء، وأكلا من الشجرة، ووقعا في فعل المحظور، وانتهى الحال بهما إلى الهبوط من الجنة إلى الأرض التي يعادي بعضهم بعضاً عليها.

نزغ الشيطان
بالإضافة إلى الأمر المتضمن في الآية الكريمة من سورة الأعراف، التي يأمر الله تعالى فيها بالاستعاذة بالله من الشيطان عند قراءة القرآن الكريم، جاء الأمر بالاستعاذة بالله من الشيطان في الآية الكريمة المذكورة أعلاه، من سورة الأعراف نفسها، وتكرر الأمر بالاستعاذة بالله من نزغ الشيطان على هذا النحو في سورة فصلت، فيقول تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (فصلت:36)
ومعنى نزغ الشيطان وسوسته بالتشكيك في الحق، والأمر بالمعاصي، أو تحريك الغضب، فأمر الله بالاستعاذة منه عند ذلك. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/59)
ومن الشواهد المؤيدة لهذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح، عن سُلَيْمَان بن صُرَدٍ، قال: (اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النبي، صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا، قد احْمَرَّ وَجْهُهُ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إني لأَعْلَمُ كَلِمَةً لو قَالَهَا لَذَهَبَ عنه ما يَجِدُ، لو قال أَعُوذُ بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغصب)
فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، تعالج نزغ الشيطان وتكافحه، وقد حذر رب العزة من نزغ الشيطان وعداوته للإنسان، فقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} (الإسراء:53)
جاء في تفسير السعدي أن هذا من لطف الله بعباده، حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال، والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله؛ من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق، على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين، فإنه يأمر بإيثار أحسنهما، إن لم يمكن الجمع بينهما، والقول الحسن داع لكل خلق جميل، وعمل صالح، فإن من ملك لسانه، ملك جميع أمره.
وقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}؛ أي يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم، فدواء هذا أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة، التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم، لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم، فإنه عدوهم الحقيقي، الذي ينبغي لهم أن يحاربوه، فإنه يدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير، وأما إخوانهم، فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم، وسعى في العداوة، فإن الحزم كل الحزم يكون بالسعي في صد عدوهم، وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء، التي يدخل الشيطان من قِبلها، فبذلك يطيعون ربهم، ويستقيم أمرهم، ويهدون لرشدهم. (تفسير السعدي 1/460)
وقد أشار يوسف، عليه السلام، إلى النزغ الذي مارس الشيطان من خلاله إحداث العداء الذي كان من إخوته ضده، إلا أنه من منطلق أدبه وذوقه، ذكر أن النزغ كان بينه وبين إخوته، وترك لمتابع ذكر الحدث معرفة حقيقة من انطلى عليه النزغ، وقد ذكرت تلك الإشارة ضمن قوله جل شأنه: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف:100)
ومعنى {نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}؛ أي أفسد بيننا وأعرض، وأصله من نخس الرائض الدابة، وحمله على الجري، يقال نزغه ونسغه إذا نخسه. (الكشاف، 2/477)

عداوة الشيطان للإنسان
الشيطان عدو لدود للإنسان، وقد حذر الله من عداوته الدائمة، فقال جل ذكره:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر:6)
وفي الآية 53 من سورة الإسراء السالف ذكرها، بيّن سبحانه أن الشيطان للإنسان عدو مبين، فالشيطان بهمزاته، ونزغه ووسوسته، يمارس حربه ضد الإنسان، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فعن عَلِيِّ بن الْحُسَيْنِ، رضي الله عنهما، (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، في المَسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ، فقال لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ لا تَعْجَلِي حتى أَنْصَرِفَ مَعَكِ، وكان بَيْتُهَا في دَارِ أُسَامَةَ، فَخَرَجَ النبي، صلى الله عليه وسلم، مَعَهَا، فَلَقِيَهُ رَجُلانِ من الأَنْصَارِ، فَنَظَرَا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَجَازَا، وقال لَهُمَا النبي، صلى الله عليه وسلم: تَعَالَيَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ! قال: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي من الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ في أَنْفُسِكُمَا شيئاً) (صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب زيارة زوجها في اعتكافه)
جاء في التفسير أن الشيطان يأمر الإنسان أولاً بالكفر، ويشككه في الإيمان، فإن قدر عليه، وإلا أمره بالمعاصي، فإن أطاعه، وإلا ثبطه عن الطاعة، فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب، والقواطع عن الله أربعة؛ الشيطان، والنفس، والدنيا، والخلق، فعلاج الشيطان الاستعاذة، والمخالفة له، وعلاج النفس بالقهر، وعلاج الدنيا بالزهد، وعلاج الخلق بالانقباض والعزلة. (التسهيل لعلوم التنزيل، 1/30)
ويعتبر الصدق من أبرز متطلبات تحقق إعاذة الله من يستعيذ به، فامرأة عمران أعاذت مريم وذريتها من الشيطان الرجيم، فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(آل عمران: 36)، وقد استجاب الله لدعائها، ففي الحديث الصحيح، عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا من نخسة الشَّيْطَانِ، إلا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، ثُمَّ قال أبو هُرَيْرَةَ: اقرؤوا إن شِئْتُمْ {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى، عليه السلام)

الاستعاذة من همزات الشياطين
من التعاليم الربانية القرآنية، الاستعاذة من همزات الشياطين، حيث يقول جل شأنه:{وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} (المؤمنون:97-98)
جاء في أضواء البيان، أن الهمزات جمع همزة، وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة النخس والدفع، وهَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ نخساتهم لبني آدم، ليحثوهم ويحضوهم على المعاصي، وعن هذا المنحى يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} (مريم:83)، ويقول جل ذكره: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ* حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} (الزخرف:36-38)
والظاهر في قوله تعالى: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أن المعنى أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمر من أموري، كائناً ما كان، سواء أكان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من الشؤون جميعها، في الأوقات كلها، والعلم عند الله تعالى. (أضواء البيان، 5/353)


أعاذنا الله من الشيطان وهمزاته ونزغه، فهو لنا عدو، ونحن منه نستفيد، راجين الله أن ييسر متابعة الحديث عن المزيد
من أبعاد التقيد بأمر الله الخاص بالاستعاذة من الشيطان، كما كان يستعيذ رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
28 جمادى الآخرة 1438هـ

تاريخ النشر  2018-03-16
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس