.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله بالاستعاذة من الشيطان - الحلقة الأولى  

==========================================================

 يخاطب الله رسوله الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، فيقول عز وجل:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}. (النحل:98-100)
يذكر صاحب أضواء البيان في تفسير هذه الآية الكريمة، أن أظهر القولين فيها أن الكلام على حذف الإرادة؛ أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن، وفرغ من قراءته، استعاذ بالله من الشيطان، كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم، ودليل الرأي الأول تكرر حذف الإرادة في القرآن، وفي كلام العرب، لدلالة المقام عليها، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ...} (المائدة:6)؛ أي إذا أردتم القيام إليها، كما هو ظاهر، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ...} (المجادلة:9)
أي إذا أردتم أن تتناجوا، فلا تتناجوا بالإثم؛ لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل، يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى، كما هو واضح.
وظاهر هذه الآية الكريمة أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة عند القراءة؛ لأن صيغة أفعل للوجوب، كما تقرر في الأصول، وقال كثير من أهل العلم: إن الأمر في الآية للندب والاستحباب، وظاهر الآية أيضاً الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة، لعموم الآية، والله أعلم. (أضواء البيان، 2/443)

سلطان الشيطان على من يكون؟
بيّن الله جلَّ في علاه في الآية القرآنية المذكورة أعلاه من سورة النحل، أن سلطان الشيطان وتسلطه، لا يكون على المؤمنين بالله وحده، المتوكلين عليه سبحانه، ولا يبقى له عليهم سبيل، وإنما يكون سلطان الشيطان، وتسلطه على الذين يتولونه؛ أي يجعلونه لهم ولياً، وذلك بتخليهم عن ولاية الله، ودخولهم في طاعة الشيطان، وانضمامهم لحزبه، فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم، فأزهم إلى المعاصي أزاً، وقادهم إلى النار قوداً. (تفسير السعدي، 1/449)
وقيل: إن المقصود بالسلطان هنا هو الغلبة والحجة، فالشيطان ليس له نفاذ أمر على المؤمنين بالله والمتوكلين عليه، وإنما غلبته وحجته على الذين يطيعونه من دون الله تعالى، فمن أطاعه فقد تولاه، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}أي بالله. (تفسير السمرقندي، 2/291)

معنى الاستعاذة وماهيتها
الاستعاذة في اللغة، من عاذ به يَعُوذُ عَوْذاً وعِياذاً ومَعاذاً: لاذ فيه، ولجأَ إِليه، واعتصم. (لسان العرب، 10/329)
جاء في التفسير الكبير، أن الاستعاذة لا تتم إلا بعلم وحال وعمل، أما العلم، فهو كون العبد عالماً بكونه عاجزاً عن جلب المنافع الدينية والدنيوية، وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية، وأن الله تعالى قادر على إيجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية، وعلى دفع جميع المضار الدينية والدنيوية، قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه، فإذا حصل هذا العلم في القلب، تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب، وهي انكسار وتواضع، ويعبر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى، والخضوع له، ثم إن حصول تلك الحالة في القلب، يوجب حصول صفة أخرى في القلب، وصفة في اللسان، أما الصفة الحاصلة في القلب، فهي أن يصير العبد مريداً لأن يصونه تعالى عن الآفات، ويخصه بإفاضة الخيرات والحسنات، وأما الصفة التي في اللسان، فهي أن يصير العبد طالباً لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى، وذلك الطلب هو الاستعاذة، وهو قوله: (أعوذ بالله)
وبناء عليه، فإن الركن الأعظم في الاستعاذة هو علم المستفيد بالله، وعلمه بنفسه، وأما علمه بالله، فهو أن يعلم كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع المعلومات، فإنه لو لم يكن الأمر كذلك، لجاز أن لا يكون الله عالماً به، ولا بأحواله، فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثاً، ولا بد أن يعلم كونه قادراً على جميع الممكنات، وإلا فربما كان عاجزاً عن تحصيل مراد العبد، ولا بد أن يعلم أيضاً كونه جواداً مطلقاً، إذ لو كان البخل عليه جائزاً لما كان في الاستعاذة فائدة، ولا بدَّ أيضاً وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله تعالى على أن يعينه على مقاصده، إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على مقاصده، لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله، وذلك لا يتم إلا بالتوحيد المطلق، وهو أن يعلم أن مدبر العالم واحد، وأن يعلم أيضاً أن العبد غير مستقل بأفعال نفسه، إذ لو كان مستقلاً بأفعال نفسه، لم يكن في الاستعاذة بالغير فائدة، فثبت بما ذكر أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية، وذلة العبودية، لا يصح منه أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن الناس من يقول لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات، بل الإنسان إذا جوز كون الأمر كذلك، حسن منه أن يقول أعوذ بالله على سبيل الإجمال، وهذا ضعيف جداً؛ لأن إبراهيم، عليه السلام، عاب أباه في قوله: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} (مريم: 42)، فبتقدير أن لا يكون الإله عالماً بكل المعلومات، قادراً على جميع المقدورات، كان سؤاله سؤالاً لمن لا يسمع ولا يبصر، وكان داخلاً تحت ما جعله إبراهيم، عليه السلام، عيباً على أبيه، وأما علم العبد بحال نفسه، فلا بدَّ وأن يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه، على سبيل التمام، وأن يعلم أيضاً أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية، لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها، ولا إبقاؤها عند وجودها، وبناء عليه؛ فإذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد، وصار مشاهداً لها، متيقناً فيها، وجب أن يحصل في قلبه تلك الحالة المسماة بالانكسار، والخضوع، وحينئذ يحصل في قلبه الطلب، وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب، وذلك هو قوله: {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم}، والذي يدل على كون الإنسان عاجزاً عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة، أن الصادر عن الإنسان إما العمل، وإما العلم، وهو في كلا البابين في الحقيقة في غاية العجز، أما العلم، فما أشد الحاجة في تحصيله إلى الاستعاذة بالله، وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله. (التفسير الكبير، 1/ 62-63)

العداء المتأصل مع الشيطان
عداء الشيطان للإنسان بدأ منذ أن سخطه الله بسبب تكبره عن التقيد بطاعته سبحانه، فبين تعالى أنه أمر إبليس بالخروج من الجنة، مؤكداً أنه رجيم، حسب قوله تعالى في سورة الحجر: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}(الحجر:34) واستجاب الله لطلبه، فأمهله إلى يوم البعث، ومن الآيات القرآنية التي تعرضت لذكر هذا العداء، وإمهال الشيطان ليوم البعث، قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ* قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ* قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ* قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ* قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ* قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأعراف:11-18)
فالشيطان للناس عدو، وينبغي أن يتخذوه عدواً، وعليهم أن يتحصنوا بالاستعاذة، والبسملة، وتلاوة القرآن، والعمل بما يرضي الله، للنجاة من كيد الشيطان ومكره وإغوائه، راجين الله أن ييسر متابعة الحديث عن المزيد من أبعاد التقيد بأمر الله الخاص بالاستعاذة من الشيطان، كما كان يستعيذ رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
14 جمادى الآخرة 1438هـ

تاريخ النشر  2018-03-02
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس