.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أمره الله أن يعبده حتى يأتيه اليقين  

==========================================================

 يأمر الله رسوله المصطفى، عليه الصلاة والسلام، بالمداومة على عبادته سبحانه حتى يفارق الدنيا بالموت، فيقول جل شأنه:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: 99)، فعبادة الله جل في علاه، لا تنحصر بأوقات أو أجيال أو شرائح من الناس، بل هي مطلوبة من الخلق دائماً، وعلى رأس من تطلب منهم العبادة هم الأنبياء والأصفياء، ومنذ أن تلقى الرسول، صلى الله عليه وسلم، التكليف الرباني بتولي مهمة النبوة، توالت عليه الأوامر الإلهية بعبادة الله، ففي فاتحة سورة المزمل أمره ربه عز وجل أن يقيم الليل بالصلاة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً* إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً* إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} (المزمل:1-6)
وكذلك فاتحة سورة المدثر، جاء فيها الأمر الرباني للنبي، صلى الله عليه وسلم، بالتطهر اللازم لأداء العبادة، مقترناً بالأمر بالتكبير، وهو نوع من العبادة، وجزء مهم من أقوال الصلاة التي تفتتح بها، ويتم بها الانتقال من فعل إلى آخر فيها، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} (المدثر:1-5)
وعبادة الله لا تنحصر بالصيام والصلاة والزكاة والحج، وهي ليست موسمية أو فصلية، وإنما يلتزمها المؤمن في حله وترحاله، في حزنه وفرحه، في صحته وسقمه، فما يصدر عنه من فعل أو قول يقصد به وجه الله، يكتب له أجر تعبده لله به، حتى امتناعه عن الفعل المحرم، أو قول الإثم خشية لله، تكتب له بذلك حسنات تعبده، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فِيمَا يَرْوِي عن رَبِّهِ عز وجل، (قال: قال: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فلم يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله له عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هو هَمَّ بها، فعملها كَتَبَهَا الله له عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سبعمائة ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فلم يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا الله له عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله له سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب من همَّ بحسنة أو سيئة)
فعبادة الله العامة يؤديها المؤمن في سكناته وحركاته، بلسانه وبقية جوارحه، أما العبادة الخاصة، فيؤديها على الوجه المخصوص الذي وردت به عن النبي الهادي، صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يقول: (...وَصَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي...) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم ) وعن أبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سمع جَابِرًا يقول: (رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يرمى على رَاحِلَتِهِ يوم النَّحْرِ، وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذه) (صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً وبيان قوله صلى الله عليه وسلم: لتأخذوا مناسككم)

التعبير عن الموت باليقين
عبر الله في آية سورة الحجر سالفة الذكر عن الموت الذي طلب من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يعبد ربه حتى يأتيه بمصطلح اليقين، وتكرر مثل هذا التعبير عنه أيضاً في سورة المدثر، حيث قال تعالى حاكياً عن المجرمين الذين يكذبون بيوم الدين، فقال جل شأنه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ* إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} (المدثر:38-47)
وفي سورة التكاثر ذكر اليقين مرتين، متعلقاً مرة بالعلم، وأخرى بالعين، فقال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ* كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ* ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (سورة التكاثر)
وفي أضواء البيان، أن حق اليقين هو منتهى العلم، إذ اليقين ثلاث درجات، الأولى علم اليقين، والثانية عين اليقين، والثالثة حق اليقين، ذكرت درجتان منهما في سورة التكاثر، والثالثة إذا دخلوها كان حق اليقين. (أضواء البيان، 8/263)
وفيه أن العلم ما كان عن دلائل، وعين اليقين ما كان عن مشاهدة، وحق اليقين ما كان عن ملابسة ومخالطة. (أضواء البيان، 9/83)
وجاء ذكر حق اليقين في سورتي الواقعة والحاقة، فقال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} (الواقعة: 95)، وقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} (الحاقة: 51)
وقد فسر الرسول، صلى الله عليه وسلم، اليقين بالموت، فعن خَارِجَة بن زَيْدِ بن ثَابِتٍ: (أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ -امْرَأَةً من الْأَنْصَارِ- بَايَعَتْ النبي، صلى الله عليه وسلم، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً، فَطَارَ لنا عُثْمَانُ بن مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ في أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الذي تُوُفِّيَ فيه، فلما تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ في أَثْوَابِهِ، دخل رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقلت: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ، لقد أَكْرَمَكَ الله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، وما يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قد أَكْرَمَهُ؟ فقلت: بِأَبِي أنت يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟ فقال: أَمَّا هو فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، والله إني لَأَرْجُو له الْخَيْرَ، والله ما أَدْرِي وأنا رسول اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي، قالت: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه)
فالموت يغيب الميت عن حياته الدنيا، لكن بعده تتكشف له الحقائق، وتزال عنه حجب كانت مستورة عن عينيه، فهو يقين من هذه الناحية، ويقين كذلك؛ لأنه واقع بالمخلوقات كلها لا محالة، مصداقاً لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء: 35)

عينة من أوامر الله بعبادته
بالإضافة إلى الأمر الرباني للنبي، صلى الله عليه وسلم، بعبادته حتى يأتيه اليقين، فإن الله أمر بأن يعبد، في مواضع قرآنية عديدة أخرى، منها قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: 114) وفي معنى قوله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} يقول القرطبي: لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة، وخصها بالذكر؛ لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النوائب، فقال مجاهد: الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، وقيل: الطرفان الصبح والمغرب، وعن الحسن الطرف الثاني العصر وحده، وقيل: الطرفان الظهر والعصر، والزلف المغرب والعشاء والصبح. (تفسير القرطبي، 9/109)

فالتعبد الواجب إلى الله بالصلاة يتعدد يومياً، مما يعني أن عبادة الله المطلوبة حتى موت العابد، يؤديها مرات عديدة على مدار اليوم، وتكرر الأمر بالأداء اليومي للصلاة في قوله جل شأنه:{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} (الإسراء: 78)

غاية الخلق
تتماشى الأوامر الإلهية للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، بعبادة ربه، مع الحقيقة العقائدية العامة، المتمثلة في تحديد عبادة الله غاية للخالق سبحانه من خلقه، حيث يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)
وقد وجه الله أمره لعموم الناس بعبادته، فقال جل ذكره: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 21)
والمؤمنون تلقوا عن ربهم الأمر بعبادته، فيقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج: 77)
وكل رسول بعثه الله تعالى كلف بالدعوة إلى عبادة الله عز وجل، فقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} (النحل: 36)
مما سبق تظهر ضرورة المحافظة على ديمومة التعبد لله، بأشكال العبادة كافة، يؤديها العابد صلاةً وصياماً وزكاةً وحجاً وذكراً واستغفاراً، ولا ينقطع عنها، سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا إلى حسن طاعته وعبادته، على سنة خاتم النبيين محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
17 ذو الحجة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-09-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس