.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ألف بين قلوب المؤمنين بأمر الله وإرادته  

==========================================================

 عن أبي مَسْعُودٍ، قال: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاةِ، وَيَقُولُ: اسْتَوُوا، ولا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قال أبو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُم الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلافًا) (صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها...)
بذل الرسول، صلى الله عليه وسلم، الجهود تلو الجهود لتأليف قلوب المؤمنين، ومن ذلك حرصه المتكرر يومياً على تنبيههم إلى أهمية تآلف قلوبهم، وضرورة ابتعادهم عما يفرقها، ففي الحديث أعلاه، ذكر لتحذير المصلين عند اصطفافهم للصلاة من الاختلاف المفضي إلى اختلاف القلوب، التي هي مصدر الصلاح أو الفساد، مصداقاً لما جاء في الحديث الصحيح: (...ألا وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ألا وَهِيَ الْقَلْبُ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه)
فالحديث ينهى عن اختلاف الأَبْدَانِ، في الاصطفاف للصلاة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى اختلاف أهواء القلوب وَإِرَادتهَا، وفيه أَنَّ الْقَلْبَ تَابِعٌ لِلأَعْضَاءِ، فإذا اخْتَلَفَتِ اخْتَلَفَ، وإذا اخْتَلَفَ فَسَدَ، فَفَسَدَتِ الأَعْضَاءُ؛ لأَنَّهُ رَئِيسُهَا. (تحفة الأحوذي، 2/17)
والناظر في حال المسلمين اليوم يجد أنهم في أمس الحاجة للتآلف والتحاب، ليكونوا يداً واحدة على من عاداهم، بدلاً من الانقسام شيعاً وأحزاباً وقبائلَ ودويلات، يسودهم الخصام بدل الوئام، والتشاحن، بل إن بعضهم يقتل بعضاً، على خلاف ما أوصاهم به الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث حذرهم من الاقتتال، فعن جَرِيرٍ أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال له في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (اسْتَنْصِت الناس، فقال: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) (صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء)
كما حذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الدور القذر الذي يمارسه الشيطان في الإفساد بين المؤمنين، وتفريق شملهم، فعن جَابِرٍ قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قد أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) (صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قريناً)
ويقوم بدور الشيطان هذا كثير من شياطين الإنس في هذه الأيام ممن يحرصون أشد الحرص على ضعف المسلمين وزعزعة استقرارهم، ومن أنجع وسائلهم لتحقيق هذه المآرب الحقيرة، إيقاع الخلاف بين المسلمين، أو توسيع رقعته، في ظل غفلة قلوبهم من وعي التوجيهات الربانية، التي أوحى بها إليهم في قرآنه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل، من مثل قوله عز وجل: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران: 103)، فلو اعتصم المسلمون بدين الله، ولم يتفرقوا، لما استشرى الهوان عليهم، ولما كان منهم ما يشاهد من الفشل الذريع، والضعف المبكي، حيث تكالبت
عليهم الأمم، وصاروا نهبا ً للطامعين ومرتعاً للغاصبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تأليف القلوب يتم بأمر الله وإرادته
مهما حرص البشر على تحقيق بعض الأمور، فإنهم لن يفلحوا في ذلك إلا إذا أرادها الله جل في علاه، فالهداية إلى الإيمان والصلاح من تلك الأمور، التي قال فيها سبحانه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 56)، ويقول تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف: 103)
وكذلك التأليف بين القلوب لا يتحقق إلا بإرادة الله، وهو القائل جل شأنه: {...وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 63)
وفي التفسير الكبير، يذكر الرازي مسائل تتعلق بهذا المقطع من الآية الكريمة، منها أن النبي، صلى الله عليه وسلم، بُعث إلى قوم أَنفتهم شديدة، وحميتهم عظيمة، حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه أبناء قبيلته، حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة، حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، واتفقوا على الطاعة، وصاروا أنصاراً، وعادوا أعواناً، وقيل: هم الأوس والخزرج.
فإن الخصومة كانت بينهم شديدة، والمحاربة دائمة، ثم زالت الضغائن، وحصلت الألفة والمحبة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية والمخالصة التامة، مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم.
ومن تلك المسائل أن هذه الآية دلت على أن القوم كانوا قبل شروعهم في الإسلام، ومتابعة الرسول في الخصومة الدائمة، والمحاربة الشديدة، يقتل بعضهم بعضاً، ويغير بعضهم على بعض، فلما آمنوا بالله ورسوله، واليوم الآخر، زالت الخصومات، وارتفعت الخشونات، وحصلت المودة التامة، والمحبة الشديدة.
ويذكر الرازي بأن التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير وكمال، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص، فمتى كان هذا التصور حاصلاً، كانت المحبة حاصلة، ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء، كانت النفرة حاصلة، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين، أحدهما الخيرات والكمالات الباقية الدائمة، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل، وذلك هو الكمالات الروحانية، والسعادات الإلهية، والثاني وهو الكمالات المتبدلة المتغيرة، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية، فإنها سريعة التغيير والتبدل، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال، فالإنسان يتصور أن له في صحبة زيد مالاً عظيماً، فيحبه، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل، فيبغضه، ولذلك قيل: إن العاشق والمعشوق ربما حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم الواحد مراراً؛ لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله، والعاشق إنما يريد المعشوق لأجل اللذة الجسمانية، وهذان الأمران مستعدان للتغير، والانتقال، فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما، والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين، بل كانتا سريعتي الزوال والانتقال.
ويختم الرازي ما خلص إليه في هذه المسألة إلى القول بأن الموجب للمحبة والمودة إن كان طلب الخيرات الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال؛ لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك
الكمال، فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال، كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال، كانت تلك المحبة أيضاً باقية آمنة من التغير؛ لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {الأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67)
ويضيف الرازي، بأن العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين للمال والجاه والمفاخرة، وكانت محبتهم معللة بهذه العلة، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن، فلما جاء الرسول، صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى، والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، زالت الخصومة والخشونة عنهم، وعادوا إخواناً متوافقين، ثم بعد وفاته عليه السلام، لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا، وتوجهوا إلى طلبها، عادوا إلى محاربة بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم مع بعض، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب.
ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}؛ أي قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة، ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم بفعل ما يفعله على وجه الإحكام والإتقان، أو مطابقاً للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر. (التفسير الكبير، 15/151- 152)

خاتمة
ما نقل عن الرازي في التفسير الكبير حول بعض الأبعاد المتعلقة بمسألة تآلف القلوب، يستحق القراءة المتمعنة، والتدبر، بخاصة أن المسألة تمس جانباً مهماً من صميم مشكلات المسلمين اليوم، والتي تؤثر في مصالحهم ومصالح دينهم، حيث يصلي كثير منهم ويصومون ويحجون، لكن الكراهية بينهم تتنامى، وعصبية الجاهلية الأولى تتفاقم، سائلين الله العلي القدير العفو والعافية، وأن يهدينا والمسلمين إلى العمل الذي يرضيه، ويرضي رسوله الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
24 ذو الحجة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-09-15
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس