.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أخبر أن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد أو وفاته - الحلقة الثانية والأخيرة  

==========================================================

 عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ، رضي الله عنهما، أنها قالت: (أَتَيْتُ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، زَوْجَ النبي، صلى الله عليه وسلم، حين خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فإذا الناس قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وإذا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فقلت: ما لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إلى السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فقلت: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَيْ نعم، قالت: فَقُمْتُ حتى تَجَلانِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ، فلما انْصَرَفَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: ما من شَيْءٍ كنت لم أَرَهُ إلا قد رَأَيْتُهُ في مَقَامِي هذا، حتى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إليَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في الْقُبُورِ مِثْلَ، أو قَرِيبًا، من فِتْنَةِ الدَّجَّالِ- لا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قالت أَسْمَاءُ- يُؤْتَى أحدكم، فَيُقَالُ له: ما عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أو الْمُوقِنُ لا أَدْرِي أَيَّ ذلك قالت أَسْمَاءُ: فيقول: مُحَمَّدٌ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا، وَآمَنَّا، وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ له: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إن كُنْتَ لَمُوقِنًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ أو المُرْتَابُ -لا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قالت أَسْمَاءُ- فيقول: لا أَدْرِي، سمعت الناس يَقُولُونَ شيئاً فَقُلْتُهُ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب الكسوف، باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف)
تعرضت الحلقة السابقة إلى رفض الرسول، صلى الله عليه وسلم، ربط أي من ظواهر الشمس والقمر بحياة الناس أو وفاتهم، وأرجع الأمور إلى حقائقها، فالقمر والشمس آيتان من آيات الله، خلقهما في أحسن تدبير، وجعل لهما منافع للكون وحركته، وعيش الكائنات المخلوقة الأخرى، ولا يطرأ عليهما الخسوف والكسوف بسبب ميلاد أحد من الخلق أو موته، فلكل من الموت والحياة والكون نظام رباني دقيق تجري الأمور بشأنهما وفقه، وقد أري النبي، صلى الله عليه وسلم، خلال برهة خسوف القمر الذي شاهده الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وأُوحِيَ إليه أَنَّنا سنفتن في الْقُبُورِ، مِثْلَ أو قَرِيبًا من فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وأننا سنسأل فيها عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، والْمُؤْمِنُ أو الْمُوقِنُ يشهد بالحق، ويجازى بالمثوبة، بخلاف المرتاب والمنافق الذي يجيب حسب حاله المنتاب بالتردد والحيرة، مما يعني ضرورة التعوذ من الفتن، أعاذنا الله مما ظهر منها وما بطن، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر ومن فتنة يوم الحساب، ويسر لنا الفوز بالجنة والنجاة من النار.

اللجوء إلى العبادة
ظاهرة الخسوف أو الكسوف تخرج عن مألوف حالتي الشمس والقمر، وهي تلفت الانتباه، وتستجلب الأنظار للتأمل في هاتين الآيتين العظيمتين، مما يقود إلى التفكير في هذين المخلوقين ونظامهما، الذي من شدة إلفه لدى الناس لا يتأملونه، ولا يفكرون في دقته، وعظمة خلقه وفوائده لهم، ومما يستدعي النظر والتأمل من ناحية أخرى أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وجه المسلمين ليفزعوا إلى الذكر، والصلاة، والاستغفار عند حدوث أي من ظاهرتي الخسوف والكسوف، ومارس ذلك بنفسه، فشرع لهما صلاة خاصة فيهما، بينها تشابه مع الصلوات اليومية المعتادة، واختلاف بين عنها، وكأن في ذلك، والله أعلم، تماشياً مع الاختلاف الحاصل في هاتين الظاهرتين عن مسيرتي الشمس والقمر المعتادة.
فاللجوء إلى العبادة والصلاة عند حدوث الخسوف أو الكسوف هو سنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومن مجريات هذه السنة اللجوء إلى أداء الصلاة والانشغال بها وبالذكر حتى ينجلي القمر، ويعود لوضعه الطبيعي المعتاد، وكذلك بالنسبة إلى الشمس، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن صلى عند الخسوف ركعتين، في كل واحدة منهما قيامان وركوعان، كما هو مبين في الأحاديث الصحيحة التي منها، ما روي عن أبي مُوسَى، قال: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ، وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وقال: هذه الآيَاتُ التي يُرْسِلُ الله لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ، فإذا رَأَيْتُمْ شيئاً من ذلك، فَافْزَعُوا إلى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب الكسوف، باب الذكر في الكسوف)، وقال عليه الصلاة والسلام: (...فإذا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إلى الصَّلَاةِ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب الكسوف، باب الذكر في الكسوف)
فالخسوف والكسوف يبعثان إلى الفزع، وتَذكر القيامة، التي تتغير فيها حركة الكون ومعالمه، وصلاتهما تكون بركوعين وقيامين لكل من الركعتين، بالصفة المبينة في الأحاديث الصحيحة، ويُنادى إليها، ليس بإقامة كما في غالب الصلوات الأخرى، وإنما كما ينادى لصلاة العيد، بقول: الصلاة جامعة، فعن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ على عَهْدِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ مُنَادِيًا بالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ... قال الزُّهْرِيُّ: فقلت: ما صَنَعَ أَخُوكَ ذلك عبد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، ما صلى إلا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ، إِذْ صلى بِالْمَدِينَةِ، قال: أَجَلْ إنه أَخْطَأَ السُّنَّةَ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب الكسوف، باب الجهر بالقراءة في الكسوف)
فهذا ما تيسر الوقوف عنده من المسائل العقائدية والفكرية والفقهية المتعلقة بالخسوف والكسوف، سائلين الله العلي القدير أن يهدينا لحسن عبادته وطاعته، في أحوالنا كلها، على درب نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
28 ذو القعدة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-08-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس