.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 أخبر أن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد أو وفاته - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أنها قالت: ( خَسَفَت الشَّمْسُ في عَهْدِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قام فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وهو دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ما فَعَلَ في الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وقد انْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ الناس، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفان لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، فإذا رَأَيْتُمْ ذلك فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قال: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ والله ما من أَحَدٍ أَغْيَرُ من اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أو تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ والله لو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)(صحيح البخاري، كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف)
عطفاً على حادثة الخسوف الكلي للقمر التي شوهدت ليلة مطلع الأسبوع الحالي، حيث بدأت هذه الحادثة الكونية عندما قاربت الساعة الثامنة والنصف قبيل موعد أذان عشاء يوم 27/7/2018م، وانتهت عند الساعة الثانية والنصف قبيل فجر يوم السبت التالي، ومكثت هذه الحادثة خلال مراحلها المتعددة ما يقارب (103) دقائق، وهي أطول فترة لحادثة خسوف للقمر تحدث منذ ثلاثة وثمانين عاماً حسب تصريحات جهات فلكية متابعة.
شكلت هذه الحادثة من حيث الظاهر تغيراً طرأ على شكل القمر، حتى عاد في نهايتها إلى وضعه الطبيعي، بدراً يعكس نوراً ساطعاً يضيء مساحات شاسعة من الأرض، التي أخفى ظلها هذا النور خلال حادثة الخسوف.
فالظاهرة الكونية كشفت عنها حسبة فلكية دقيقة، فلفتت الأنظار، وأخذت العقول، واستشعر الخلق عظمة العلماء الذين حددوا بدقة متناهية مراحل تطورها منذ ساعة البدء وحتى لحظة الانتهاء، ومما لا ريب فيه أن الله الذي خلق هذا النظام وأحسن تدبيره بهذه الدقة المتناهية أولى بالإقرار له سبحانه بالعظمة، فالعلماء اكتشفوا جزءاً من نظامه فكانوا عظماء، وهو سبحانه أوجد النظام الكوني الدقيق، ولفت الانتباه إلى أن تغيراً بسيطاً يجري عليه يحدث فزعاً لدى الخلق، ويثير انتباههم إلى حالة يُكسر بها المألوف، فهي لا شك آية جديرة بالتأمل والتدبر، بهدف استشعار عظمة الله في خلقه، وما يجلبه نظامه الكوني الدقيق للخلق من منافع ومصالح جديرة بالشكر والحمد لله خالقها.
والرسول، صلى الله عليه وسلم، رفض ربط أي من ظواهر الشمس والقمر بأمور تجري على الكون في مجالات أخرى، فموت ابنه إبراهيم اعتبر في رأي بعض الناس السبب لحدوث الخسوف الذي توافق حدوثه معه، لكن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنكر هذا الربط غير العلمي، وأرجع الأمور إلى حقائقها، فالقمر والشمس آيتان من آيات الله، لا يطرأ عليهما الخسوف والكسوف بسبب ميلاد أحد من الخلق أو موته، فلكل من الناحيتين نظام رباني دقيق، وقدر أجراه الله سبحانه، يترك للمتدبر في حركته وتغيراته مجالاً رحباً لاستشعار عظمة خلق الله، وهو القائل جل وعلا: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (لقمان:11)

الشمس والقمر آيتان
يلفت الحديث أعلاه إلى آيتي الشمس والقمر، فالله خلقهما في أحسن تدبير، وجعل لهما منافع للكون وحركته وعيش الكائنات المخلوقة الأخرى، وكما هو ثابت علمياً أن الشمس لو ارتفعت عن موقعها لتجمد الكون من البرودة، ولو دنت عن موقعها لاحترق من شدة حرارتها، وهي تبزغ يومياً وتغيب وفق نظام زماني دقيق، وضوؤها يُغني الخلق عن استخدام الإنارة، حتى إذا ما دخل الليل، احتاجوا إلى الكهرباء وغيرها من مصادر الإنارة والضوء، وفي بعض الأحيان يستخدم ما يخزن من أشعة الشمس بعد غروبها وفق آلية علمية وأدوات صناعية تعد لهذه الغاية.
وحين يحدث تغيير جذري على جهتي بزوغها وغروبها، تصبح آية عظيمة دالة على قرب قيام يوم الساعة، والله تعالى يقول: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (الأنعام:158)
والشمس ستتكور مصداقاً لقوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}(التكوير:1)، والسورة التي احتوت هذه الآية الكريمة سميت بالتكوير، ومن الآيات التي أحدثها الله للقمر أن شقه بناء على رغبة طالبي الآيات، فقال عز وجل بالخصوص في سورة القمر: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} (القمر:1)
فهذه تأملات في بعض المسائل العقائدية المتعلقة بالشمس والقمر، بمناسبة الحديث عن خسوف القمر، الذي تمت مشاهدته قبل أيام، عسى أن ييسر الله متابعة الحديث عن بعض المسائل الفقهية المتعلقة بهذه القضية، ونسأله سبحانه أن يلهمنا الصواب، ويهدينا سبيل الرشاد، لنكون ممن يتأملون في خلقه فيتعظون ويعتبرون، على درب نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
21 ذو القعدة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-08-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس